السرقة والمقدس: المستريح وإذن السيدة زينب

نخطئ عندما نختزل حكاية “المستريح” في لعبة فردية لشخص نصاب، رغم نجاحه في الاستيلاء على مبالغ تصل إلى نصف المليار في أقل التقديرات، وتتجاوز المليارين في بعضها. ولا يوجد حتى الآن رقم رسمي يعبر عن حقيقتها الفعلية، وقد لا نجد بسبب عزوف عدد كبير من الضحايا عن تقديم بلاغات لأسباب مختلفة.

نخطئ عندما نختزل سبب الجريمة  في طمع الناس ورغبتهم في الحصول على المال من أسهل الطرق. كما نخطئ عندما نكتفي بالجانب الاقتصادي وآثاره السيئة التي أصابت آلاف البيوت، لأن المشكلة في جوهرها ثقافية، ويجب أن تأخذ حقها من الرصد والتحليل، ونحن نسمح بتكرارها طالما أسرعنا في غلق الملف دون دراسة وافية.

حكاية مصطفى البنك مرآة كاشفة، تنعكس فيها قضايا ومفاهيم كثيرة تتعلق بتصورات الجماعة الشعبية لمفهوم المقدس، أو مفهوم الدولة، أو مفهوم القانون، وقد لعبت تلك التصورات الشعبية دورا كبيرا في نجاح عملية النصب الكبرى، ومازالت تبررها حتى الآن، وهناك عدد كبير من الضحايا يرفض اتهام “المستريح” بالنصب، ولا شك أن هذا الرفض لا يأتي من فراغ، وما يعنينا هنا هو دور الثقافة في هذا الرفض، ودورها في العملية كلها، والآثار التي قد تترب عليها.

لقد كانت صدمة الناس في إدفو، والجنوب بشكل عام، أوسع من بعدها الاقتصادي، لقد تم استخدام محبة آل البيت في سرقتهم، وقد سقط في فخ “المستريح” عدد من رجال آل البيت الذين يعتقد الناس في بركتهم، ومنهم من تاجر معه، ومنهم من قبل منه الهدية، ومنهم من قام بتمجيده والدعاء له في حفل كبير، وهناك ساحات راحت تطعم الفقراء من لحم الفقراء، وهي تقدمه باعتباره هبة خالصة لوجه الله. كيف لعبت تصورات الناس عن القانون والدولة والمقدس في نجاح عملية النصب الكبرى؟

الجريمة بين القانون والثقافة القبلية

لا يوجد لدينا مفهوم واحد للجريمة والمجرمين، نظرا لوجود تباين بين الثقافة القبلية  والثقافة الرسمية في أمور كثيرة، فما ينص عليه القانون شيء، وما تراه الجماعة الشعبية شيء آخر، وذلك بالنسبة لعدد من الجرائم الكبيرة، مثل تجارة المخدرات والأسلحة والآثار وغسيل الأموال.

لا شك أن التوحيد بين القانوني والشعبي مطلب ضروري، وعدم وجوده يكشف عن مشكلة حقيقية في علاقة الناس بالدولة، ولا بد من البحث العميق في أسبابه، والعمل على إزالتها، وما يعنينا أن الرضا الشعبي عن بعض  الجرائم لعب دورا  كبيرا في نجاح جريمة “المستريح”.

الثراء الكبير  والمفاجئ أول مظهرٍ لفت انتباه الناس للمستريح، فقد كان يصرف ببذخ، ويمتلك سيولة مالية لا يبررها المنطق، فلم يكن الرجل غريبا، بل كان واحدا من أهل المكان، وتفاصيل حياته وحياة عائلته معروفة جيدا للناس، وقد نشأ أمام أعينهم  فقيرا بسيطا مثل الغالبية العظمى، وكان يعمل في “الفاعل” ، أشد الأعمال قسوة وأقلها من حيث المردود المالي، ونظرا لندرة فرص العمل حتى بالنسبة لتلك المهنة، فقد غادر قريته في الجنوب وراح يعرض عضلاته في أسواق العمل في الشمال، ثم عاد بعد فترة، ليحقق حلمه الكبير، وهو شراء “توك توك” والعمل عليه بدلا من الغربة، وقد نجح في تحقيق ذلك الحلم، لكنه بشكل مفاجئ، صار يصرف ببذخ ويحتكم على مبالغ خيالية لا أحد يعرف مصدرها، وذلك قبل أن يتورط أحد في العمل معه، وفق لعبة “الوِعْدة” التي انتهت بخراب بيوت لا حصر لها.

**

لقد شك الناس في ثروته المفاجئة، وكانوا على يقين من أنها جاءت بشكل غير قانوني، وذهبوا بسهولة إلى أن مصدرها لا يخرج عن تجارة المخدرات، أو الأسلحة، أو الآثار، أو غسيل الأموال، لكنهم لم يتوصلوا إلى معلومة أكيدة عن مصدرها، وهذا الغموض  سمح بتأويلها صوفيا، باعتبارها فتحا ربانيا، وهذا ما كان يردده الرجل.

في لقاء أجرته معه قناة “نبض مصر” في 10/4/2022، يقول:

“أنا كنت شغال فاعل بره البلد، وبعد كده رجعت البلد وجمَّعت لي مبلغ واشتريت توكتوك، واشتغلت عليه، وبعد كده جمعت لي مبلغ في مبلغ ورحت عامل مزرعة مواشي صغيرة، وربنا فتحها، علشان كده، أنا بساعد اللي تعبوا زيِّ، علشان حاسس بيهم، وأنا مش باشتري غالي، أنا بادي الحاجة حقها، وامنع استغلال الفقرا الشقيانين في تربية البهايم، (لإن)التاجر بيكسب في البهيمة سبع تلاف جنيه”

لقد كان الرجل فقيرا وتحول فجأة إلى  واحد من أكبر الأثرياء، وكان التحول الغريب واضحا جدا بالنسبة للناس، وكان مثار استغرابهم، لكنه لم يكن مثار استهجانهم ورفضهم، فقد تعاملوا معه تعاملهم مع الصادق الأمين، رغم اعتقادهم بأن ثروته غير قانونية، أو متحصلة من عمل إجرامي في نظر الدولة مثل تجارة المخدرات أو السلاح أو الآثار أو غسيل الأموال.

لقد نجح “المستريح” بسبب السيولة المالية أولا، وبسبب الثقافة ثانيا، لأنه استطاع الحفاظ على الصورة النموذجية لابن البلد الطيب والملتزم بعاداتها وتقاليدها، وهذا هو المعيار في ظل الثقافة القبلية للتمييز بين الأمين والخائن، وهذا هو السبب في شعور الناس بالصدمة العنيفة بعد اكتشاف أمره، لأنه صار مجرما بالمعنى القَبَلي، لا بالمعنى الرسمي.

**

كان المستريح مجرما مقبولا بغض النظر عن جريمته المجهولة، وقد فسروها بـ “لعبة آثار” ونجحتْ،  أو “لعبة مخدرات” أو “لعبة سلاح”، وتلك الجرائم الرسمية  تعتبر أحلاما مشروعة عند قطاع كبير من سكان الصعيد، ونلاحظ هنا استخدام كلمة “لعبة” مع تلك الجرائم الرسمية، وهو ما يبعدها عن دائرة الحرام ويقربها من دائرة الحظ الحلو، أو الفتح الرباني.

ثروة المستريح التي بدأ بها أول خطوات الاحتيال، لم تكن قانونية، وكان الأمر واضحا بالنسبة للناس، وكانت جريمته التي حصل بموجبها على تلك الثروة مقبولة وإن كانت غير محددة، وغير متفق عليها، ولا توجد بشأنها رواية واحدة، وهذا القبول هو الذي دفعهم إلى السعي إليه، نعم، لم يسع إلى الناس في البداية، بل هم الذين سحبوا مواشيهم وذهبوا إليه.

كل قانون تصدره الدولة ولا يتفق مع منظومة الثقافة القبلية يخضع له الناس كرها دون اقتناع، ويعتبرونه نوعا من القهر، كما يعتبرون الهربَ من عقوباته فضيلة أو ميزة تزيد المجرم هيبة ووقارا في أعين الناس، لأنه أولا: لم يرتكب جرما وفق نظرتهم للعالم، ولأنه ثانيا: نجح في الهرب من قبضة الحكومة، ويعيش بشكل قانوني أو طبيعي، وما المشكلة في الثراء المفاجئ، طالما أن الدولة تشاهده ولا تراجعه، وطالما أن الرجل لم يرتكب خطأ في حق أحدٍ من بلدته، بل يمشي في الخير ويساعد المحتاجين؟

**

لقد تأكدتْ لهم براءة المستريح الرسمية، وهو يقوم ببناء الأحواش على أرض الدولة، ويسيِّر قوافل العربات لتجوب القرى والنجوع  لجمع الماشية، ويصوِّر ملايين الجنيهات في فيديوهات ويعرضها على شبكة الإنترنت، ولم يخطر في الحسبان أن هذا النشاط الاقتصادي الكبير يمكن أن يتم بدون رضا الدولة، أو أن حركة مئات الملايين  غير مراقبة من الضرائب مثلا ، هذا في الوقت الذي يشاهدون فيه  سرعة الأجهزة الأمنية في حركتها  اليومية ضد جرائم  سرقة التيار الكهربائي، أو البناء بدون ترخيص، أو التعدي على أملاك الدولة.

نظرة الناس للثروة التي هبطت على المستريح بدأت تتغير بعد توسع نشاطه، لدرجة احتكاره لسوق المواشي، ثم بدأت تظهر فكرة الرجل المسنود من أحد الكبار،  وفكرة  الصبي  الذي لا يمتلك من ثروته شيئا، وأن صاحب المال الأصلي هو الذي دفع له في البداية كي يجهز المكان، ويقوم بعمل الدعاية الكافية، ويلتزم بسداد حقوق الناس بانتظام، وأنه كان يحول ما يحصل عليه  من المال ليرسلوا إليه ضعفه، كأن يرسل عشرة ملايين مثلا  ليرسلوا عشرين، وهكذا، وفي المرة الأخيرة  لم يرسلوا بعد أن بلغت الغنيمة منتهاها.

لقد وصل الأمر في قناعات الكثيرين حد اعتبار “المستريح” رجلا من رجال الدولة، وأنه ينفذ سياسات مالية جديدة، أو خطة سرية تستهدف تخفيف الأعباء عن الناس بشكل جديد، وقد بدأت الخطة بشعب أسوان الطيب، وقد ظهر “المستريح” في أحد الفيديوهات وهو يتحدث ـ كأنه أحد المسئولين ـ عن حربه ضد استغلال التجار، و خطته في النزول بسعر اللحم إلى مائة جنيه.

هذه القناعة موجودة، ويجب علينا أتهام أصحابها بالتخريف، كما يجب علينا البحث عن السبب الذي دفعهم  إلى التفكير على هذا النحو، وهو سبب ثقافي يتعلق بتصورهم عن الدولة، والذي لا يستند على أسس فكرية أو نظرية، بل ينتج من تعاملاتهم على الأرض مع رجال الإدارة، وفي ظل ثقافة قبلية مازالت حية وفاعلة.

الجريمة والرؤية الصوفية للعالم    

الرؤية القبلية لشرعية بعض الجرائم،  ساندتها الرؤية الصوفية للعالم كما تعرفها الطبقات الشعبية، لأن الفكر الصوفي متسامح مع التواريخ الشخصية، ويعنيه الحاضر في المقام الأول، فقد يكون المرء مجرما عتيدا  ويتحول إلى شخص مبروك بنظرة واحدة من أسياد آل البيت، وفي قصص الأولياء نماذج لهؤلاء المجرمين الذين تحولوا إلى مباركين.

 

الأزمة الاقتصادية لعبت دورا في انسحاب التفكير العقلاني أمام  الأخلام
الأزمة الاقتصادية لعبت دورا في انسحاب التفكير العقلاني أمام  الأخلام

ترك أسرار الناس واحد من المبادئ الراسخة في التصوف الشعبي، فمهما كانت مظاهر الشخص علينا أن نحترس من إصدار حكمنا عليه، فقد يتنكر الخضر في صورة متسول، وقد تُكتب الولاية لقاطع الطريق.

هكذا يمكن للناس غض الطرف بسهولة عن سر الثراء المفاجئ، كما يمكنهم  تفهمه في ظل الاعتقاد الشعبي في خوارق الأعمال، أو في حدوث المعجزات على يد أولياء الله الصالحين، خاصة لو كانوا ينتظرون معجزة، أو يحلمون بثروة تهبط عليهم من السماء لتخلصهم من شعورهم بالعجز أمام متطلبات الحياة، ومن في اعتقادهم يمكن أن يفعل ذلك مثل “أم العواجز”

رمزية السيدة زينب

في أحاديث “المستريح”  يتوالى الحديث عن السيدة زينب وحدها من دون آل البيت، فلا يوجد ذكْر للحسين على سبيل المثال، وهو الرمز الأكبر لآل البيت،  فلماذا كان التركيز  منصبا عليها وحدها؟

للسيدة زينب مكانة شديدة الخصوصية، لأنها في  التصورات الشعبية، أم العواجز، وصاحبة الختم، أو التوقيع النهائي على الأحكام ، وهي رئيسة  الديوان  الروحي أو الباطني الذي يقوم بوظائف كثيرة مثل إجابة المضطر، وقضاء الحوائج الدنيوية، وإرسال المرشدين  إلى المريدين لتوضيح الطرق إليهم، أو تعليمهم، وتحديد خطوط السير للمجاذيب في الشوارع، وواجبات أصحاب الحمْلات والتكليفات الباطنية، وأسلوب تعاملهم مع الناس، و عقاب المخطئين من الشيوخ والمريدين وغيرهم.

الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الناس ولا يجدون لها مخرجا معقولا أو منتظرا، لعبت دورا في انسحاب التفكير العقلاني أمام  الأخلام،  وبات الثابت لدى الكثيرين أن تغيير حياتهم يحتاج إلى معجزة، ومن يفعلها سوى رئيسة الديوان، وذلك بإرسال أحد محبيها كي يقضي حاجات الناس ويساعدهم على الوفاء بالتزاماتهم تجاه أولادهم.

هكذا أمسك “المستريح” برمزية السيدة زينب، وراح يستخدمها في عملية النصب الكبرى بوسائل مختلفة وفعالة، ونجح في إطعام عدد قليل من الفقراء من لحم عدد هائل من الفقراء، وهو يقنعهم بأنه هبة من السيدة زينب.

اقرأ أيضا:

خصومات الصعيد وفن التحطيب بالبندقية

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى