متابعات وتغطيات

الدكتورة جليلة القاضي: ثمانية تحديات هامة تواجه المحافظة على التراث

عبر منصة “زووم” بدأت أولى فعاليات التدريبات الخاصة بصحافة التراث، التي أطلقها موقع “باب مصر” التابع لـ”ولاد البلد للخدمات الإعلامية”، بدورة قدمتها الدكتورة جليلة القاضي، أستاذ التخطيط العمراني بجامعة باريس، ومديرة الأبحاث بالمعهد الفرنسي للأبحاث من أجل التنمية (IRD) تحت عنوان «التراث الثقافي، المفهوم، التطور، المِحنة».

الدورة بدعم من مؤسسة دروسوس، وتهدف إلى تقديم الدعم وتزويد المهتمين سواء الصحفيين أو الشباب المهتم بالمعرفة حول التراث، وذلك لتطوير مهاراتهم وإمدادهم بالأدوات اللازمة لتغطية ومتابعة كافة القضايا التي تتعلق بالتراث والثقافة والآثار لاسيما التراث المحلي.

مفهوم التراث الحضاري

بدأت الدكتور جليلة، محاضرتها، بتعريف مفهوم التراث الحضاري الذي ينقسم إلى ثلاثة أشياء هامة: (التوريث، الانتقاء، القيمة)، حيث يبدأ الأثر رحلته في البداية من خلال التوريث، فيرث الأبناء ما تركه الأجداد، ثم تأتي المرحلة الثانية وهي انتقاء الأبناء ما يريدون الحفاظ عليه من ضمن الموروثات لاقتنائها، ثم يتطور الأمر إلى أن تصبح تلك المقتنيات مع مرور الوقت ذات قيمة وتتحول إلى أثر، وهنا يتوسع التراث وينتقل من الحيز الجغرافي الضيق إلى منطقة أوسع وأشمل، حيث تصبح القيمة للأثر بجانب كونها قيمة معنوية أو انفعالية، قيمة تاريخية أيضًا، وينتقل من كونه تراث شخصي إلى تراث وطني.

وأشارت القاضي إلى أن التراث لا يقتصر على الآثار فقط، بل يضم أيضًا التراث غير المادي والذي يتمثل في (النص الشعبي، الفلكلور، الأساطير، وغيرها)، أما عن ظهور مفهوم التراث الحضاري والحفاظ على الأثر، فتقول القاضي: كان لأجدادنا الفراعنة السبق في الحفاظ على التراث وخلق أول مؤسسة في التاريخ مكلفة بذلك والتي عملت بنظام “الوقف”، وكان الوقف عبارة عن تخصيص جزء من ربح الأماكن المنتجة سواء الأراضي الزراعية وغيرها، ويذهب هذا الجزء المادي لصيانة الآثار والحفاظ عليها سواء مقابر أو معابد، ثم في العصر الفاطمي ظهر نظام الوقف مرة أخرى بعد غياب قرون عديدة للحفاظ على القاهرة الفاطمية وصيانة ما احتوته من أماكن هامة.

النظام المتحفي

وحول ظهور ما يعرف بـ”النظام المتحفي” أو المتاحف، تقول القاضي: قبل ظهور اليونسكو بآلاف السنين، كان هناك اعتراف بالتراث الإنساني والمحافظة عليه، وبداية ظهور المتاحف كان في عهد الإغريق، فهم أول من فكروا في جمع القطع والأشياء الثمينة والأثرية ووضعها في قاعات يزورها الجمهور، وكان أول متحف في مدينة الإسكندرية وتحديدًا داخل مكتبة الإسكندرية، كما قاموا بجمع واختيار سبعة أماكن حول العالم لتكون عجائب الدنيا السبع، وكان من بينها منارة الإسكندرية وأهرامات الجيزة، ثم جاءت العصور الوسطى، وكانت المتاحف مقتصرة على بلاط القصور الملكية، والتي كانت نواة بعد ذلك لإنشاء المتاحف العامة.

وتابعت القاضي: كان لمحمد علي الفضل في إنشاء أول متحف في مصر، حيث ضم في البداية مجموعة محمد علي الخاصة من قطع أثرية وصل عددها إلى 188 قطعة أثرية تم استخراجها من المقابر المصرية القديمة، كما كان له أيضًا الفضل في سن أول قانون في المحافظة على الآثار والتراث المصري عام 1835 والذي نص على ثلاثة قرارات هامة وهي: (الاهتمام بالأنتيك أو القطع الأثرية وعدم خروجها خارج مصر إلا من خلال الوالي محمد علي فقط، وأنشأ أول متحف والذي يعد نواة لما جاء بعد ذلك، كما أصدر فرمان للحفاظ على آثار جنوب مصر على وجه الخصوص)، وخلال الفترة ما بين عام 1835 إلى 1867م، تم تأسيس هيئة للآثار، وتدريب الأشخاص على ترميم الأماكن والقطع الأثرية، ثم تأسيس كلية لدراسة علم المصريات والتي ترأسها عالم المصريات الشهير “ماسبيرو”.

كما أشارت القاضي إلى أن مرحلة الازدهار كانت في عصر النهضة، والتي زادت فيها الرحالات لتطور أنظمة الملاحة بين الدول، ومن خلالها سافر الرحالة والرسامين الذين قاموا بتوثيق كل شئ، وهو ما ساعد في توثيق الكثير من الأماكن والآثار التي دمر جزء كبير منها فيما بعد وخاصة أثناء الثورة على الحملة الفرنسية التي كانت فترة عصيبة، حيث دُمر خلالها العديد من الآثار الثمينة، لكن ما كان يعيب تلك الفترة ولقرابة أربعة قرون هي غياب القوانين المختصة بالحفاظ على الآثار والتراث البشري، وظهر بعدها ما عرف بـ”الحصر والتصنيف” والذي ظهر أعقاب الثورة الفرنسية من قبل المهتمين، حيث كانت مهمتهم حصر وتصنيف القطع الأثرية الباقية ووضعها في جداول للحفاظ عليها، ثم توالى ظهور المؤسسات المهتمة في كل من إنجلترا وإسبانيا التي طالبت بالحفاظ على الآثار والمدن الأثرية أيضًا.

الحفاظ على الأثر

وخلال الدورة شددت الدكتورة جليلة على ضرورة الوعي لدى المواطنين بأهمية ما يوجد حولهم من آثار وضرورة المحافظة عليها، وأرجعت نقص الوعي إلى ضعف التعليم والفقر وعدم الاستقرار وغياب الهوية المصرية التي عادت مع ثورة 1919، وبالرغم من ظهور الهوية المصرية الفرعونية مع دخول الحملة الفرنسية، إلا أن اكتمال ظهور الهوية بدأ مع سعد زغلول، حيث ظهر دور الفن والأدب والشعر بشكل كبير، ثم توسع مفهوم التراث وضم بجانب التراث الفرعوني، التراث البيزنطي والروماني والقبطي والإسلامي واليهودي، لكن ظل الوعي لدى الطبقة الأقل ثقافة من الأهالي يعاني من الضحالة حتى الآن.

وأشارت القاضي، إلى أن عملية المحافظة على الأثر شيء صعب للغاية وخاصة في الأماكن التي ترتبط بالحيز العمراني، موضحة أن عملية المحافظة على الآثار تنقسم إلى مجموعة من الشروط الهامة والتي تتمثل في أربعة محاور هي: تحديد النطاق الخاص بالأثر والمنطقة المحيطة به للحفاظ عليه من التشوهات أو الزحف العمراني أو الهدم، أما المحور الثاني فيدور حول أهمية الصيانة الدورية للآثار والاهتمام بالنظافة من الداخل والخارج، ثم المحور الثالث وهو الترميم والذي يجب أن يكون على أيدي متخصصين وبعد دراسات وافية للأثر، ثم يأتي المحور الرابع والأخير حول التجديد أو إعادة الإحياء، والذي يتمثل في تطوير الأماكن الأثرية لمواكبة العصر، دون أن يؤثر ذلك على روح المكان وطابعه وطبيعة المنشأة، ويجب الاستعانة بالوثائق والصور القديمة قبل البدء بعملية الإحياء.

ونوهت بضرورة ربط الجمهور أو الأهالي بالأماكن الأثرية، مثل البيوت القديمة وغيرها، من خلال استغلالها بالمشروعات أو تقديم الخدمات الثقافية، مثل بيت العود في بيت الهراوي، وهنا يرتبط الجمهور بالمكان ومن ثم يحافظون عليهم.

تحديات هامة

ولخصت القاضي – خلال محاضرتها – التحديدات التي تواجه المحافظة على التراث في النقاط التالية وهي:

التحدي الأول: قصور المفهوم الخاص في التعريف بمفهوم التراث، حيث إن الوزارة المسؤولة تسمى وزارة الآثار ويجب تغيير مسماها إلى وزارة التراث، فهي ليست وزارة للآثار فقط.

التحدي الثاني: وهو يختص بالبعد البيئي، ويتمثل في الحفاظ على الحدائق والعمارة القديمة، والمواقع الأكثر هشاشة والتي توجد داخل الكتل السكنية، والغابات الأسمنتية.

التحدي الثالث: وهو غياب الوعي المجتمعي، ويتمثل في صراع التحديث والتنمية، فهناك القوانين التي تحمي الأثر، لكن لا يوجد وعي مجتمعي أو حماية مجتمعية مثلما حدث في مصر الجديدة.

التحدي الرابع: هو تحدي اقتصادي لعدم وجود موارد أو آليات لتوفير مبالغ مالية لشراء الأماكن ذات القيمة التراثية بدلا من نسفها والتربح غير المشروع بهدمها وتحويلها إلى أبراج سكنية قبيحة.

التحدي الخامس: وهو التحدي التشريعي والتضخم المؤسسي الكبير في عدد الوزارات وتعدد الهيئات، بالإضافة إلى وجود المستثمرين العقاريين، وأبسط مثال على ذلك ما حدث في الإسكندرية، والتي فقدنا فيها العديد من الأماكن التي ضاعت بسبب قضايا الهدم والإحلال والتجديد وتحقيق الأرباح الخيالية لملاكها، في غياب تأثير القانون وقصور التشريعات.

التحدي السادس: ويتمثل في تفشي وتضخم البيروقراطية ورأس المال الربحي، والتي تعتبر مأساة من خلال سيادة القيمة المادية على القيمة الثقافية، وأصبحت خيارات حراس التراث تعبر عن المصالح ورؤوس الأموال الريعية.

التحدي السابع: وهو التحدي الثقافي والتربوي، ويتمثل في غياب أهمية التراث كمنتج تاريخي في المناهج الدراسية، وعدم ترسيخ الأثر كعامل تاريخي مستمرًا وليس بائدًا.

التحدي الثامن: المتمثل في نقص الدورات التدريبية لكافة المعنيين بالمحافظة على التراث، وعدم وجود الوعي الكافي لديهم.

وأشارت أستاذ التخطيط العمراني إلى أن تراكم تلك التحديدات السابق ذكرها لعقود طويلة جعلتنا نفقد أشياء لا تقدر بثمن ولم يعد لدينا مدينة واحدة لها طابع تاريخي متجانس في مصر، وتظهر فقط على استحياء منطقة وسط البلد بالقاهرة، التي تنتمي إلى التاريخ الحديث، كما تراجع دور الميديا بشكل كبير، رغم قيامها بالعديد من الحملات السابقة التي كانت تهدف للتوعية بالتراث والمخاطر المحدقة به.

جدير بالذكر أن “ولاد البلد” ستعلن تباعا عن الفعاليات ومواعيدها، خلال صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

اقرأ أيضا

ولاد البلد تنظم تدريبات «صحافة التراث» عبر منصة «زووم»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى