«الحِبَاش الدمنهوري».. طعم الحكاية ورائحة المكان
على بعد أمتار من ميدان الساعة، قلب مدينة دمنهور، تقودك قدماك إلى ممر ضيق وطويل يسمى شارع «الفسيخ»، هكذا يطلق عليه سكان دمنهور عاصمة محافظة البحيرة. هو شارع لا تعرفه السيارات، وكأنه مخصص للمارة والمتسوقين فقط. في أرجائه تشم عبق رمضان، وترى زينته المتلألئة، وتسمع من كل الزوايا صوت النقشبندي وأغنيات الشهر الكريم بلا توقف.
تنتشر على جانبيه محلات الفسيخ و«أم الخلول» الشهيرة والعريقة، وتواصل السير حتى تتوقف أمام طوابير وزحام لافت لتكتشف أنك أمام محلات الأكلة الشعبية الأولى في المدينة القديمة، والتي يطلق عليها «الحباش» الدمنهوري، تلك الأكلة الدمنهورية بامتياز.. أنت إذن أمام محل «حباش أم حسن»، ذلك الاسم الذي صار «ماركة مسجلة».
الحباش.. جزء من الهوية والثقافة
الأكلات الشعبية ليست مجرد وسيلة لسد الرمق وتلبية الحاجة الجسدية فقط. بل تمثل واحدة من مكونات الهُوية والشعور الجمعي بالترابط والتماسك حين يلتف سكان وطن واحد حول نسق غذائي متشابه. فهذا يمنحهم قدرا من الأمان والألفة فيما بينهم والتميز عن شعوب ومجتمعات أخرى.
يمثل “الحِباش” أحد ملامح شهر رمضان لدى سكان المدينة والمدن المجاورة، وأحد الأطباق الثابتة في وجبتي الإفطار والسحور على مائدة الغالبية العظمى. ولا يتوقف دوره عند البعض كونه أحد المُقبلات مثل سلطة الخضروات أو سلطة الطحينة. بل إنه يمثل مكونا رئيسا على سفر البسطاء من سكان محافظة البحيرة.
هي “أكلة” شعبية سعرها في متناول الجميع. وربما هذا ما ساهم في انتشارها بهذا الشكل الكبير، وتحولها من مجرد مُقبلات إلى “طبق” ثابت في المنازل والمطاعم الشهيرة، خاصة تلك التي تقدم الفول والطعمية.

إرث عائلي يزيد عن 100 عام
عن تاريخ “الحباش” يقول الحاج أحمد الجمل إن جده الراحل صنع تلك الأكلة منذ أكثر من مائة عام وكان أول من قدمها. وفي البداية كانت عبارة عن طحينة على خل على ماء، ثم أضيفت إليها الطماطم. وبعد فترة أضيف الثوم والخضرة، ثم ورثها والده، ثم هو، ثم أولاده.
وعن صناعته يذكر نجله محمد الجمل، شيف “حباش أم حسن” الشهير وهو يردد جملته الشهيرة: “أهم حاجة تصلي على النبي أنا، أمثل الجيل الرابع لصناع حباش أم حسن”.
ويقول عن مكونات الحباش وطريقة صناعتها: “البداية كانت مع جدي منذ حوالي 100 سنة، الذي كان يقوم بتفريغ قلب ثمرة طماطم وحشوها بخلطة سرية من التوابل والطحينة. وما زالت الوصفة الأساسية التي تتمثل في خلطة البودرة “الحباش البودرة” سرا عائليا لا يعرفه غيرهم. وكل جيل يضع لمسته الخاصة مثل إضافة الطحينة البيضاء وجوزة الطيب”.
مكونات الحباش الدمنهوري
يشير محمد إلى أن المكونات الأساسية لأكلة الحباش هي الثوم، الخل، الليمون، الكمون، البهارات، والشطة. وكل هذا بالإضافة إلى البقدونس فقط أو مزيج من البقدونس والشبت. ولا يصح استخدام الكزبرة أو الكرفس أو الجرجير داخل الخلطة، ويضاف الزيت الحار البلدي.
ويؤكد أنه قام باستيراد نوع خاص من التوابل الهندية ثمنه يصل إلى 200 دولار كي يطور من المنتج ويحافظ على تميزه. لافتا إلى أن جمهوره ينتمي إلى كل الطبقات الاجتماعية في مدينة دمنهور. ويتجاوز الحباش إلى كل مدن مصر حيث يأتيه من كل مكان طلبا لتلك الأكلة الشعبية، التي تمثل أحد ملامح المدينة ومصدرا من مصادر شهرتها.
وشدد على أن الحباش هو الهرم الرابع في الأكلات الشعبية مثل الفول والكشري والملوخية، ويجب أن يلقى ما يستحقه من اهتمام.

الحباش على السفرة.. من المقبلات إلى الطبق الرئيسي
حول طبيعة الحباش وموضعه على السفرة يقول محمد إن الحِباش هو أحد المقبلات ويمثل طبقا رئيسا على السفرة طوال العام، لكن الإقبال يزداد في شهر رمضان. وهو ليس مجرد مقبلات لكنه يمثل لبعض الأسر وجبة في حد ذاته لما يحتوي عليه من قيمة غذائية عالية.
فيما تقول “أم حسن” -والدة محمد والتي يحمل المحل الشهير اسمها – إن الحباش واحدة من أقرب الأكلات إلى أهالي دمنهور. ولفتت إلى أن الحاج الكبير هو الذي ابتكرها وعلمها لأحفاده ثم أبناءه، وبعد ذلك انتشرت حتى أصبحت أشهر طبق على المائدة.
وفي مدينة دمنهور يشتهر بجوار الأكلة “الحِرشة”، كما يقولون، مثل الفول والطعمية والباذنجان وأم الخلول. وهكذا تكتمل السفرة “الحِرشة”، ويمكن وضع طبق الحباش مع كل الوجبات الغذائية دون استثناء. مثل اللحوم والسمك وغيرها وهذا ما يجعله طبقا رئيسيا.
جمهور الحباش.. من كل الطبقات والمدن
حول طبيعة زبون الحباش يضيف محمد أن رواد “حباش أم حسن” من كل الطبقات ومن مدن مختلفة. لأن سعرها في متناول الجميع ولا يتجاوز 120 جنيها للكيلو، ولديه عبوات بأسعار مختلفة تبدأ من 10 جنيهات. مشيرا إلى أنه ليس لديه فروع أخرى خارج دمنهور لأن زبونه يفضل الشراء من الفرع الأصلي في شارع الفسيخ.
أما عن التعاون مع المطاعم الشهيرة في دمنهور التي تقدم “الحباش” إلى جانب أكلاتهم الأخرى، أشار إلى أن جميعها يحصلون على الحباش من “أم حسن”. لكن بعض المطاعم تفضل أن يحصل على الخلطة “خام” لتتم آخر مرحلة تصنيع في المطاعم.


