الثقافة والقانون:  الأدب والمحاماة

علاقة المحاماة بالثقافة هي حرْفيا علاقة المولود بأمه، وكل محامٍ لا علاقة له بالثقافة يشبه كلَّ رجلٍ قطع علاقته بأمه.

الثقافة بشكل عام هي القاطرة التي نقلت البشر من دنيا الغريزة البدائية إلى دنيا الرقي الإنساني، من عالم الهمجية المتوحش إلى عالم التحضر والتقدمِ الحضاري المذهل.

لا يمكن فهم التقدم الحضاري في مصر القديمة دون الوعي بمفهوم أو  مكانة “ماعت” ربة العدالة. وكذلك لا يمكن فصل التقدم الغربي حاليا عن منظومة حقوق الإنسان.

**

رحلة الثقافة هي رحلة الحق والخير والجمال، وسيرتها هي سيرة الصراع مع التفكير الخرافي والظلم والقبح. منظومةُ العدالة جوهريةٌ في تلك الرحلة، وانفصالها عن الجمال والتفكير العقلاني يفسدها، ويخيفنا منها كما نخاف من كل إنسان جحد أمه وقطع علاقته بها.

فكرة الدفاع عن المجرم صارت شبه مقدسة في العالم المتحضر الآن، لكنها في السابق كانت فكرة بغيضة، لا تحبها السلطات، ولا يحبها الناس.  لا شك أنها ظهرت في عصور بعيدة، لكنها ظلت محدودة للغاية، ولم تتبلور إلا مع التطور الثقافي في العصر الحديث.

المحاماة ثمرة طال وقت نضجها، ولم تتنفس بشكل مريح إلا مع تفتح الذهن البشري. وحتى الآن يشعر المتقاضين بالعداء تجاه المحامين الذين يحضرون مع خصومهم، حتى الآن نجد في عالم المتعلمين من يعتمد على المبدأ البدائي الذي يقول: “صديق خصمي عدوِّي”، ويتخذ مواقف ظاهرة أو مضمرة إن رأى أحد معارفه على وفاق مع ذلك الشيطان الذي تسبب له في ضرر أو أذى.

**

رسالة المحامي والمثقف واحدة وإن اختلفت في مظهرها، لأن الثقافة هي التي أبدعت القوانين والمحاكم، وكان ظهور المحاماة من أرقى مظاهرها.

المثقف يعتمد على التفكير النقدي وكذلك المحامي. سلاحه عقلانيته الرشيدة، وأساس عمله يقوم على الإصغاء الجيد، ومراجعة وتحليل التفاصيل الدقيقة بكل جدية، ومساءلة الأدلة والبراهين واختبار قوتها، وجدارتها في الحكم على مصير الإنسان.

المثقف يدافع عن القيم الإنسانية بشكل عام، والمحامي يدافع عن إنسان واحد. لكنه يعبر عن الإنسانية كلها في نفس الوقت، لأن “مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا” وكذلك “…مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”

منظومة القوانين ليست قاصرة على أبنية المحاكم. منظومة القوانين متداخلة مع كل الأنشطة البشرية بشكل مباشر أو غير مباشر، وعزلها في أبنية المحاكم خطأ كبير.

**

رجل القانون الحقيقي لا يحبس نفسه بين جدران  المحاكم أو أقسام البوليس، يجب أن ينفتح على الحياة ويتفاعل معها، لأنه لا يترافع عن متهم بل يترافع عن الحياة، ويعبر عن الرقي الإنساني في أبهى صوره.

رجل القانون الحقيقي أديبٌ، أو متذوق رفيع المستوى للأدب، وجهله بالأدب يمس شرف المهنة أو يسلب روحها.  لأنه لا يعتمد على مهارة التحليل المنطقي وحدها، بل يعتمد أيضا على مهارة التواصل الشفاهي والكتابي مع الموكلين ورجال المؤسسات القانونية. سلاحه الأول هو  الفصاحة والبيان، وكي يحقق هويته، عليه أن يتلقى دروسا في كيفية تذوق الأدب، عليه أن يكوَّن صداقة مع الأعمال الأدبية، عليه أن يتسلح بنظرة الشاعر كي يتلقى أسرار مهنته العميقة، ويتعلم كيف يدافع عن الحياة.

نقابة المحامين مؤسسة ثقافية في المقام الأول، فهي بنت الثقافة، والأبناء يستمدون وجودهم من الأم لكن علاقتهم بها لا تتوقف عند ميلادهم، بل تستمر حتى نضجهم، وعندما يصلون إلى القمة لا ينقطعون عنها، بل يتضاعف حبهم لها وحرصهم على رعايتها.

**

نقابة المحامين وفروعها الكثيرة مؤسسات ثقافية معطلة. ولهذا ضرره الكبير على مهنة المحاماة نفسها، وعلى المجتمع المحيط، ونحن نشتكي طول الوقت من التردي الثقافي أو هبوط الذوق، لكننا لا نتحدث عن إمكانياتنا المهجورة، لا نتحدث عن تخاذلنا في الدفاع عن المجتمع و مقاومة البؤس الثقافي.

يجب أن يتحمل المحامون مسؤولية ثقافية، يجب أن يتحول حسهم الوطني والإنساني إلى أنشطة ترفع الوعي وتثري الوجدان. يجب أن يحوِّلوا  مقراتهم وأنديتهم في كل المحافظات إلى صالونات ثقافية، ولو لمدة ساعتين في الأسبوع.

المحامون جزء لا يتجزأ من المنظومة الثقافية. ويجب أن يلعبوا دورا إيجابيا تجاه مهنتهم ليحرسوها من التدهور عن طريق الفعل الثقافي المنظم. ولا شك أن نجاحهم في هذا الدور سوف ينعكس على مجتمعهم، ويعود بالنفع على الجميع.

اقرأ أيضا:

الصعيدية العجوز: حفيدة الربة الحامية

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى