«التيتي» بلياردو.. الذي حير الإسكندرية

في بداية الألفينيات، لم يكن مخطوطا على حوائط شوارع الإسكندرية سوى تلك العبارة «أحمد حسن للعلاج الطبيعي والسمنة والنحافة. الشيخ محمد يوسف لعلاج جميع حالات المس وفك الأعمال بالقرآن. أنتريد لرفع ونقل الأثاث. التيتى بلياردو. التيتى بلياردو. بيع/ شراء/ استبدال/ صيانة».

التيتي كان ونيسا ضاغطا-أحيانا- لكل راكب يمر من أمام سور المدابغ في الورديان أو تحت كوبري القباري أو فوق كوبري التاريخ أو في مدخل كوم البصل. العبارة كانت تطاردنا جميعا نحن سكان غرب الإسكندرية، لا يوجد غيرها تقريبا. الطريق الدولي حينها لم يكن قد تأسس بعد. لذلك كنا نمر بنفس الشوارع نقرأ نفس الإعلانات على نفس الحوائط حتى نصل إلى النصف الآخر من الإسكندرية.

كلما بهتت الإعلانات بفعل الزمن أو الرطوبة أو بآخرين يعلنون عن أنفسهم أعاد ترميمها، كلما اقتربت الانتخابات والصق كل مرشح صورته على الحوائط نجد في الصباح التالي “التيتي بلياردو” يغطي صور المرشحين بطلاء أبيض ويكتب اسمه ورقم هاتفه عارضا نفسه وخدماته. حتى أصبحت إعلاناته على الحوائط من كثرة تراكمها ثلاثية الأبعاد تستطيع أن تلمس وتشم رائحة التيتي وتتذوق رقم هاتفه وأنت في سيارتك.

لا أحد يعرفه

لا احد يعرف من هو أو مكان صالته حتى نبيع ونشتري ونصون. هو فقط يقول إنه موجود ولديه خدمات يمكن أن يقدمها عن طريق الاتصال به. لم أقابل أحد جرب أن يتصل على الرقم كنوع من المزاح الثقيل. لكن محافظ الإسكندرية آنذاك أصدر أوامر بالقبض عليه وإزالة إعلاناته من كل الأماكن خصوصا الأثرية منها.

نعم، التيتي كان يضع إعلاناته على سور عمود السواري وكوم الشقافة وأسوار النوادي خصوصا نادي الاتحاد، والمستشفيات والمتاحف ومسجد القائد إبراهيم ومكتبة الإسكندرية وعلى الأنفاق المؤدية للكورنيش.

تضخمت فكرة التيتي بداخلنا أصبح الشيء المبهم والمألوف في آن واحد. لم يكن يعلن عن نفسه بوصفه (التيتى للبلياردو) أي الذي يعمل في مجال البلياردو. إنما (التيتي بلياردو) كأنه نتاج احتكاك كرتين بلياردو معا، أو أن لعبة البلياردو جزء من هويته. لطالما تخيلنا في طفولتنا صالات اللعب الضخمة التي يملكها، جالسا في مدخل أكبر صالاته يدخن وهو مرتكز على عكاز منقوش عليه أول حرف من اسمه، يتأمل أصوات احتكاك كرات البلياردو بزوايا الطاولة.

أنثروبولوجيا الكبد والترفيه

في منتصف السبعينيات كان محمد أحمد سليم يقف فوق كوبري راغب كل صباح يراقب الصبية وهم ينتشلون أجولة الترمس أو يصطادون القراميط من ترعة المحمودية. بينما ينتظر الزيت ليقدح في المقلاة المستكينة داخل عربة خشبية مطلية بالأبيض والأخضر. ومن ثم يخفض درجة حرارة الموقد حتى يرمي الكبد مع قرون الفلفل الأخضر والكمون والشطة في قلبها.

سندوتشات الكبدة كانت بـ10 صاغ. سعر لا يقدر عليه أحد وقتها إذا نحينا الموظفين والسمكرية والذين لا يعانون من الكولسترول من المعادلة، وهم من كان يتطلع إليهم محمد.

تقول جين سولر: “إن مطبخ أي شعب من الشعوب يرتبط بفهم هذا الشعب للعالم”. وبحكم أن محمد واحدا من الشعب ويعرف العالم من أمعائه، كان يدرك أن الطعام وحده لا يكفي لسد الجوع وضمان الرضا عند الناس. لذلك، كل يوم بعد صلاة الظهر، يجر عربة الكبدة من فوق الكوبري حتى يصل لشارع الرند في حي راغب. هناك حيث الأرض الفضاء المحفور بداخلها نفقين -يقال إنهما فيما سبق كانا ملجأً من غارات الحرب، بعد الحرب تم سد الأنفاق-. ليزيح حلة الزيت ويضعها فوق أحد هذه المداخل.

عربة الكبدة

ومن العربة يخرج قطعة قماش كبيرة قماش لونها أحمر يحزم العربة بها وبذلك تتحول مسرحا للعرائس. يضع محمد يده داخل قطعة من الجوخ مطرزة على هيئة إنسان مشوه الملامح بطاقية طويلة فوق دماغه لونها أحمر أيضا، يطلق عليه “الأراجوز” يفوح منه رائحة التبغ والكَبد، ملطخ بردة العيش يعلن عن سيطرته القادمة من التراتبية التي تتخذ شكلا مطبخيا عن طريق دفاعه عن زوجته من بطش العمدة الذي يريد أن يطلقها من الأراجوز ويتزوجها هو.

تنتهي المسرحية بموت العمدة وانتصار الأراجوز. ثم يحييه محمد مرة أخرى- العمدة- ويعيد المسرحية من أولها أمام ضحك الأطفال الهستيري. حين يمل محمد من مسألة البعث والفناء يقرر أن ينهي الفقرة بوعده للأطفال أنه في اليوم التالي سيعرض قصة وحش المدينة. لم يعرضها قط كان الجميع ينتظر وحش المدينة لكنهم تفاجئوا بالأراجوز مرة أخرى يدافع عن شرفه.

مع بداية الثمانينات قرر محمد أن يهاجر من كرموز ومن مصر إلى أي بلد من بلاد النفط قبل أن يسافر قال إنه مل من هذه العيشة. وأنه يريد أن يفعل أكثر من بيع سندوتشات الكبدة واللعب بالأراجوز، يريد أن يحترم نفسه قليلا أن يشتغل بشهادته، مدرس.

أزمة هوية

في ظهيرة قائظة الحرارة في نهاية التسعينات كان هناك شابا يتمشى في شارع النيل في حي كرموز يبحث عن أعقاب السجائر في الأرض يدخنها. فوجد بجانب قدم أحدهم عقب سيجارة يخرج منه دخان، هم ليتوجه نحوه فوجد الرجل يدوس على العقب ويمد يده ليعطيه سيجارة كاملة ماركة مارلبورو أحمر. بعدما قبل النفحة رفع رأسه فوجد لافتة تعلق مكتوب عليها  “التيتى بلياردو” صرخ وهو يجري حتى وصل لشارع الكروم في حي راغب كان يقول أن “التيتي” قد عاد.

هذا المحل كان عبارة عن مصنع متخصص في صناعة طاولات البلياردو والبينج. وهي التي أصبحت موضة في هذا الوقت أن يشاهد الشباب أفلام الفيديو كرياضة ويلكزون الكرات سواء بالعصا الرفيعة أو بالمضارب كنوع من تفريغ الطاقة.

افتتح التيتي أيضا معرضا في العطارين قرب سوق الدجاج يعرض فيه طاولات البلياردو والبينج وفي المخزن جزء للصيانة. ومع بداية الألفينات أصبح حي كرموز وحي راغب غارقين في محيط من طاولات البينج والبلياردو من صنع التيتي.

التيتي أفندي

بعدما ازدهرت تجارته انتقل للعيش في شارع الثقيف في حي باب شرقي. أدرك أن انفصاله عن حياته القديمة انفصال لا يوجد به أي إيجابيات من الناحية النفسية، لا أحد يعرفه أو يحترمه أو مهتم حتى بقصته، يستنكرون اسمه في المقهى ويلقبونه بـ”التيتي أفندي”. عانى من أزمة هوية كادت أن تهدم كل ما بناه. البناء بالنسبة إليه كان يتمثل في المرتبة المجتمعية، كأي طباخ حتى وإن كان قديم يحب المدح ويسعى للاحترام، حتى وان كان لطعامه، لأن طعامه امتداد لشخصه.

ربما كان إي إم فورستر مصابا بعمى البصيرة عندما كتب “أن الإسكندرية غير متطرفة في مشاعرها الوطنية” كان يقصد الأهالي. زوجة التيتي حاولت إقناعه بالهجرة إلى القاهرة لأنه لا يوجد جديد -هنا- في الإسكندرية ليفعلوه. لكن التيتي قرر أن يبقى -هنا والآن- وينشر دعاية تثبت أقدامه في مجال صناعة الترفيه المحلي. تمكن الجميع من معرفة من هو وماذا يفعل، دعاية بمثابة سيرة ذاتية تخليه من مسؤولية تحقيق الذات مرة أخرى، تتخطى أهل منطقته القديمة لتصل لكل سكندري. وعليه عين خطاطين يكتبون اسمه الفني ورقم هاتفه والخدمات التي يقدمها على الحوائط، على أي حوائط دون تمييز وإن لزم الأمر يشتري الحوائط.

خيبة

في الثانوية، في يوم شديد البرودة، أخرجونا مبكرا من المدرسة بلا سبب كعادة المدارس الحكومية. قالوا: اذهبوا لبيوتكم المدرسة ستغلق بعد ربع ساعة.

أقنعت زميلتي أن نمشى قليلا قبل أن نعود لمنازلنا. وهذا القليل استمر حوالي ثلاث ساعات في شوارع منطقة العجمي حتى وصلنا شاطئ النخيل. كان خاليا لا أحد يحب شاطئ النخيل في الشتاء على أي حال. عندما تعبنا من المشي جلسنا على رصيف منثور عليه رمال ناعمة، رفعنا رأسنا ببلاهة ناحية محل ضيق، ملطخ بألوان مزعجة: أسود وأحمر وأخضر. بداخله طاولة صغيرة عليها كرات شبه مهشمة ومتقشرة؛ ومكتوب على المحل (التيتى بلياردو).

نظرنا نظرة انتهاء الأسطورة بخيبة الأمل والخذلان.

وصلنا!

أهذا هو التيتي؟

اقرأ أيضا

الإسكندرية.. مدينة تأكل روحها

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى