الباحث «محمد شحاتة»: العمارة الشعبية مرآة تعكس البيئة والثقافة والتحولات الاجتماعية
في كتابه «العمارة الشعبية والتغير الثقافي في صعيد مصر»، يقدم الدكتور محمد شحاتة العمدة، الباحث في التراث والأنثروبولوجيا، قراءة بحثية معمقة لجذور العمارة الشعبية في الصعيد، من خلال تتبع التحولات الثقافية والاجتماعية التي أثّرت في شكل العمران وأساليب البناء عبر الزمن. وينطلق الكتاب من رؤية مفادها أن العمارة ليست مجرد شكل مادي للمساكن، بل هي انعكاس مباشر للبيئة والثقافة والعادات والمعتقدات السائدة في المجتمع. ويبين الباحث في هذا الحوار كيفية الربط بين العمارة الشعبية في صعيد مصر وامتدادها التاريخي إلى حضارة البداري، باعتبارها واحدة من أقدم الحضارات التي شكّلت البدايات الأولى للاستقرار في وادي النيل.
-
أين تقع حضارة البداري؟ وما أهميتها الجغرافية في صعيد مصر؟
تقع حضارة البداري في مصر العليا بصعيد مصر، وهي مدينة جنوب محافظة أسيوط، يحدها من الغرب نهر النيل، ومن الشرق سلسلة جبال البحر الأحمر، ومن الجنوب محافظة سوهاج، ومن الشمال مركز ساحل سليم. وتقع على الضفة الشرقية للنيل بين أبوتيج وطما بأسيوط.
-
كيف نشأت هذه الحضارة ولماذا تُعد من أهم حضارات ما قبل الأسرات؟
تنتشر حضارة البداري في العديد من المواقع مثل المطمر والعتمانية والهمامية، وترجع إلى عصر استخدام المعدن والنحاس. وكانت البداري مركزًا لحضارتين من أقدم حضارات البشر، وهما حضارة دير تاسا، التي تعود إلى نحو 4800 ق.م، وحضارة البداري، التي تعود إلى نحو 4500 ق.م.
وتُعد البداري من أغنى حضارات مصر القديمة في العصر الحجري، إذ تشمل جوانب مهمة مثل الزراعة والزينة والأثاث، كما تمثل النقلة الأولى لحضارتي نقادة الأولى والثانية، وتضاهي حضارتي بابل وآشور في العراق.
وهي أهم حضارات عصر ما قبل التاريخ للحضارة الفرعونية، وقد سبقت غيرها في العديد من الجوانب المهمة، ويُعرف العصر الذي نشأت فيه حضارة البداري بالعصر النيوليثي، أو عصر بداية استخدام المعادن. وقد ذكر الأثري فلندرز بتري أن الحضارة النيوليثية في الوجه القبلي تبدأ بعصر البداري، وهي البلدة الواقعة بالقرب من “قاو الكبير” في إقليم أسيوط، وتُعد أقدم تاريخ معروف حتى الآن لعصور ما قبل الأسرات، كما عُثر على الصناعات البدارية في بلاد النوبة.
اقرأ أيضا: المسرح في أسيوط.. حضور قائم وتحديات مستمرة
-
ما السمات التي ميزت العمارة في حضارة البداري عن غيرها من الحضارات القديمة؟
تميزت حضارة البداري بالاعتماد على مكونات البيئة المتاحة في عمارة المسكن، وخاصة المكونات الزراعية. فقرى هذا العصر كانت عبارة عن مجموعة من الأكواخ البيضاوية أو المستديرة، المصنوعة من مواد خفيفة مثل البوص والأخشاب.
وكان يوجد في وسط الكوخ حفرة تستخدم موقدًا، بينما كانت المواد الغذائية تُحفظ داخل سلال. وقد عُثر داخل تلك الأكواخ على آثار تدل على وجود قدر من التقدم في وسائل الراحة.
كما أن كتل الطين التي بُنيت بها مساكن الهمامية لم تكن توضع فوق بعضها مباشرة، بل كان يفصل بين كل صفين من كتل الطين رباطان من البوص. وعلى جوانب الأكواخ وُجدت بعض الخيام المصنوعة من الجلد والحصير، وهو ما يعكس تطور تلك الحضارة وانتقالها من الصيد، الذي يتطلب مساكن متنقلة كالخيام، إلى الأكواخ الطينية التي تدل على الاستقرار.

-
إلى أي مدى انعكست الفروق الاجتماعية على شكل العمارة في حضارة البداري؟
لم تتأثر العمارة في البداري بشكل واضح بالفروق الطبقية، إذ أن معظم أفراد المجتمع كانوا ينتمون تقريبًا إلى طبقة واحدة، باستثناء بعض الأفراد في كل قرية، الذين تميزت منازلهم عن منازل باقي أفراد المجتمع الأكثر فقرًا.
كما أن أراضي الصعيد الطينية كانت تسمح بالبناء عليها دون الحاجة إلى أساسات خرسانية قوية، نظرًا لقدرتها على تحمل الأثقال والأبنية المرتفعة دون حدوث انهيارات.
اقرأ أيضا: «الوادي الأسيوطي».. تجربة علاجية وترفيهية في الكثبان الرملية
-
كيف أثرت عادات ومعتقدات المجتمع في البداري على شكل العمارة الشعبية؟
تعبر عادات وتقاليد أفراد المجتمع ومعتقداتهم ومعارفهم الشعبية عن الجانب المعنوي للثقافة، ويظهر هذا الجانب بوضوح في أشكال العمارة وملحقاتها. فالمجتمعات الزراعية تختلف عمارتها عن المجتمعات الصحراوية والحضرية نتيجة اختلاف البيئة والعادات ومتطلبات المعيشة.
وقد أعاد أبناء حضارة البداري ميراث أجدادهم من جديد، فانتشرت بيوت البوص والطين في مركز البداري وقراه، لأنهم ظلوا مجتمعًا زراعيًا يبني بيوته من خاما البيئة، مثل البوص والطين ومنتجات النخيل. كما أن هذه المنازل لم تكن مكلفة، وكانت مناسبة لأنشطتهم وطرق معيشتهم البسيطة.
كذلك وجد أهل البداري في العمارة تعبيرًا عن ثقافتهم، فعملوا على تنويع أشكالها، إلا أن تلك العمارة لم تصمد أمام التغير الثقافي الذي مر به المجتمع، وبدأت تتلاشى كما حدث في عصور ما قبل الأسرات.
-
هل توجد علاقة بين العمارة الشعبية والعناصر التراثية الأخرى في مجتمع البداري؟
يُعد المسكن من أهم عناصر الثقافة المادية التي يهتم بها الإنسان، لأنه يعبر عن الاستقرار وبداية تشكل الحضارات والجماعات البشرية. وترتبط بالعمارة العديد من عناصر التراث الشعبي الأخرى، مثل عادات الزواج والميلاد والوفاة، وما يرتبط بها من أدب شعبي يتمثل في الأغاني والأمثال الشعبية، إلى جانب عدد من الحرف التقليدية مثل صناعة الطوب والجريد والأثاث الشعبي ومقتنيات المنزل.
-
إذن كيف عبرت عمارة القبور في حضارة البداري عن معتقدات المصري القديم؟
تميز الإنسان المصري القديم في حضارة البداري بإيمانه بالحياة الأخرى، لذلك اهتم ببناء المقابر أكثر من اهتمامه ببناء المنازل والمعابد، فمعظم الآثار التي تعود إلى عصر الأسرات وما قبله ليست سوى مقابر للملوك، جاءت على شكل معابد وأبنية شاهقة مثل الأهرامات وغيرها.
كما أن حضارة البداري دليل على ترسيخ هذا الاعتقاد لدى المصري القديم في عصور ما قبل التاريخ، كما عُثر داخل المقابر على أمشاط مصنوعة من العاج مزينة بزخارف، إضافة إلى دبابيس كانت تستخدم لتثبيت الملابس.
وقد وُجدت المقابر في المناطق الصحراوية والجبلية على أطراف المدن والقرى، كما عُثر على مقابر في منطقة الهمامية أسفل الجبل وأعلاه، ويُعتقد أن اختيار هذه المواقع جاء لحماية جثث الموتى من رطوبة الأراضي الزراعية القريبة من النيل.
-
ما أبرز أشكال العمارة الشعبية التي عُرفت بها حضارة البداري؟
تنقسم العمارة حسب أغراضها، وبرغم أن بعض الأغراض لا تمثل عمارة مستقلة بذاتها، فإنه جرى تصنيفها كعناصر مستقلة لتوضيح أغراضها، ولأنها تتطلب خامات خاصة في البناء. ويتم إعدادها بشكل منفصل عن بناء المنزل مثل: “الصومعة، المصطبة، الفرن، وغيرها”.
ويتم تقسيم أجزاء المنزل من الداخل بشكل غير منتظم، حيث يولي أهل البداري أهمية خاصة لغرفة نوم الوالدين وغرفة تخزين احتياجات المنزل، بينما قد يظل باقي المنزل فارغًا دون تقسيم. كما يحرصون على وجود فتحات تهوية في المنازل المبنية من الطين والطوب اللبن والأحمر، بينما في بيوت البوص لا توجد شبابيك أو فتحات تهوية، لأن جدران البوص “السباتة” تسمح بمرور الهواء ومياه المطر في الشتاء.

-
كيف أثر التغير الثقافي على العمارة الشعبية لحضارة البداري؟
لم يكن مجتمع صعيد مصر بمعزل عن التغيرات الثقافية التي شهدتها مصر والعالم من حوله، وقد انعكست هذه التحولات على التراث الشعبي بكل أشكاله المادية والمعنوية، ومنها العمارة الشعبية. وقد بدأت هذه التغيرات تتسارع بشكل واضح منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي.
ويُقصد بالتغير الثقافي اختلاف الحالة الجديدة عن الحالة القديمة، أو تغير الأشياء عما كانت عليه خلال فترة زمنية محددة، ويشمل ذلك تطور وسائل الاتصال الحديثة وما ترتب عليها من تغيّر في أنماط الحياة.
-
وما المعتقدات المرتبطة بحضارة البداري؟
لدى الجماعة الشعبية في صعيد مصر معتقداتها الخاصة المتعلقة بالأماكن والأشياء والمخلوقات فوق الطبيعية مثل الجن والعفاريت والعين والحسد. لذلك يحرص الأهالي على وقاية أنفسهم وذويهم وممتلكاتهم من خلال ممارسات يعتقدون أنها تبعد الشر والعين. ومن هذه الممارسات تعليق الأحجبة التي يصنعها أشخاص متخصصون، أو وضع رموز معينة على المنازل والأبواب لحمايتها من الحسد.
كما يظهر حضور العمارة الشعبية في الأغاني المرتبطة بالمناسبات؛ ففي الأعراس تُغنى أغانٍ شعبية مثل: “يا بت م السطح إدلي.. شايفك أنا واقفة تملي”. وفي الأحزان تُستخدم “العديد” أو الأغاني الجنائزية التي تغنيها النساء داخل منضدة البيت أثناء الجنازة. كما تنتشر الأمثال الشعبية مثل: “معزة الفقير المراح باينة.. الحيطان لها ودان”.
اقرأ أيضا: من الفجر حتى الحصاد.. حكايات الفرح والتعب في حقول القمح بأسيوط


