دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

الباحثة «سمر عبد الرحمن»: السينما الناصرية بلورت ملامح الرجل المصري

في ذاكرة المصريين، لا تعيش الأفلام وحدها، بل وجوه أبطالها أيضًا. لكن ماذا يمكن أن تكشف هذه الوجوه إذا أعدنا النظر إليها اليوم؟ وماذا يمكن أن تخبرنا عن مصر الناصرية؟

في كتابها «نجوم السينما المصريون الذكور في عهد ناصر»، تعود سمر عبد الرحمن، الباحثة المتخصصة في تاريخ السينما المصرية والثقافة البصرية إلى أرشيف المجلات والصحف الفنية والوثائق المنسية لتقرأ تاريخ السينما من منظور آخر، من خلال ثلاثة نجوم: عمر الشريف، وإسماعيل يس، وفريد شوقي، الذين جسدوا أحلام الصعود والحب والانتماء، ورافقوا تحولات المجتمع المصري. ومن خلال هذا الحوار، تتحدث عن رحلة البحث بين الأرشيفات، وكواليس اختيارها هؤلاء النجوم، وما تكشفه سيرتهم الفنية عن المجتمع المصري. كما تناقش العلاقة بين النجومية والقومية، وحدود تأثير السياسة في صناعة السينما خلال واحدة من أكثر الفترات ثراءً.

  • عادة ما تنشغل الدراسات الجندرية بالمرأة وقضاياها على الشاشة، لكنكِ التفت إلى النجوم الذكور.. كيف أقبلتِ على الفكرة رغم قلة المصادر؟

جميعنا يعرف الفترة الذهبية للسينما المصرية، ونشاهد أفلامها، وكانت النقاشات دائمًا تدور حول المفاضلة بين رشدي أباظة وعمر الشريف. وكنت أرى أن للسينما دورًا بالغ الأهمية في المجتمع، وأن الأبطال كذلك لهم نفس الأهمية.

أما المصادر، فالحالة الوحيدة التي توفرت عنها دراسات كانت للفنان فريد شوقي، الذي كتب عنه والتر أرمبرست باستفاضة. وحتى الآن، من النادر أن تجد مصادر عن السينما المصرية مكتوبة باللغة الإنجليزية، بينما يتوفر الكثير منها باللغة العربية.

هناك مثلًا كتاب بعنوان “ميلودراما ثورية.. الفيلم الشعبي والهوية المدنية في مصر الناصرية” لجويل جوردون، وهناك بالطبع كتابات والتر أرمبرست، لكنه عندما يتناول الموضوع يتحدث عن الثقافة المصرية عمومًا، التي تشكل السينما جزءًا منها. لذلك، عندما بدأت هذا المشروع، كنت أود الكتابة عن السينما المصرية، لكنني فضلت التركيز على النجوم.

نبعت الفكرة من ملاحظتي أننا، في كثير من الأحيان، لا نتذكر اسم الفيلم بقدر ما نتذكر ممثليه أو أبطاله؛ إذ نقول عادة: هذا فيلم لسعاد حسني أو لعبد الحليم، وهكذا. نحن كمصريين نتذكر النجوم أكثر من أسماء الأفلام، ولذلك أحببت أن أبدأ بهم.

اقرأ أيضًا: د. «يسرية حسني»: أخاف على التراث من الجهل وتحوله لذكريات

***

كنت متخوفة بالطبع من مسألة قلة المصادر، لكنني قلت لنفسي: على قدر غياب المصادر، سأكتب شيئًا أصيلًا يُطرح للمرة الأولى، وكان هذا بمثابة حافز لي. وللاطلاع على أي مصدر، كان لا بد من العودة إلى الأرشيفات والمجلات الفنية، مثل “الكواكب” و”المصور” وغيرهما. وكان يؤرقني أيضًا سؤال: ماذا سأفعل إن لم يُسمح لي بدخول تلك الأرشيفات؟ فقد كانت رسالة الدكتوراه بأكملها، في بدايتها، قائمة على رحلتي إلى الأرشيف.

وما حدث مؤخرًا يعد أمرًا جميلًا للغاية؛ إذ أعادت الجامعة الأمريكية بالقاهرة نشر أرشيفات دار الهلال وإتاحتها على الإنترنت، مما سهل الأمر كثيرًا على الباحثين والمهتمين بالأفلام والسينما، أو حتى على محبي القراءة عنها.

كما كانت مسألة المصادر تقلقني أيضًا، إذ لم أعرف كيفية الوصول إلى أرشيفات الاستوديوهات القديمة. لكن في المقابل، ساعدتني كثيرًا كتابات ومصادر النقاد المصريين، مثل علي أبو شادي وسمير فريد وغيرهما؛ فجميعهم أصدروا كتبًا مهمة عن الفن، وتعد كتاباتهم بالغة الأهمية.

كذلك ساعدني والدي -رحمه الله-، حيث وجهني للأماكن الصحيحة في مصر للبحث عن المصادر بحكم عمله مخرجًا، ولذلك أهديته هذا الكتاب. ويأتي بعده محمود قاسم، الذي شاركني جهات الاتصال الخاصة به، وهو من أهم من كتبوا عن السينما العربية والسينما في مصر، ويُعد وحده موسوعة.

كذلك الناس كانوا يحبون المساعدة عندما أذهب إلى أي مكان وأخبرهم عما أبحث عنه. وهناك أيضًا أماكن وجدت فيها مصادر صدفة، مثل المركز الكاثوليكي المصري للسينما، حيث عثرت على كتاب سيرة ذاتية عن فريد شوقي. كما وجدت معلومات أخرى مصادفة على الإنترنت، مثل تبرع إسماعيل يس للجيش، لكنها من أرشيفات خاصة.

  • اخترت ثلاثة نماذج متباينة تمامًا.. لماذا هم تحديدًا، وعلى أي أساس حددت الاختيار؟

لاختيار هؤلاء النجوم وضعت لنفسي ثلاث خطوات. أولًا: حددت الفترة الزمنية التي أريد التحدث عنها، وهي من بداية الخمسينيات حتى ما قبل مرحلة التأميم؛ لأنني شعرت أن الفكرة التي أريد إثباتها ستشتت بعد ذلك. ثانيًا: حددت أبرز النجوم الذكور في مصر خلال تلك الفترة، ثم رصدت الأسماء الأكثر شهرة وحضورًا لدى الجمهور. ثالثًا: نظرت إلى حجم نتاج كل منهم، وسيرته الفنية، وما يميزه.

وبناءً على ذلك، وقع الاختيار أولًا على عمر الشريف، لأنه النجم الوحيد من تلك الحقبة الذي يمكن القول إنه وصل إلى العالمية، فكان هذا هو النموذج الأول. وكان في الحسبان أيضًا رشدي أباظة وشكري سرحان، لكنني وجدت أنهما صعدا في الوقت نفسه، بل إن الصورة النمطية لشخصية شكري سرحان كانت قريبة جدًا من عمر الشريف.

أما العامل الثاني، فكان عدد الأفلام وحجم الإنتاج، وبالطبع كان إسماعيل يس في المقدمة، وهو فنان يحتاج إلى كتاب مستقل بذاته، لأنه غيّر نمط الإنتاج السينمائي، بحيث أصبحت تُنتج باسمه.

ثم جاء النموذج الثالث، وهو فريد شوقي، “وحش الشاشة”، الذي يمتلك تاريخًا طويلًا جدًا، لكنني أردت تتبع بداياته، وكيف استطاع تغيير صورته الفنية خلال تلك الحقبة. وفي الوقت نفسه، ترتبط الشخصيات الثلاث بالصورة الذهنية لمصر في تلك الفترة؛ لذلك لم يكن الاختيار سهلًا، بل كان معتمدًا على معايير تتعلق بالقواسم المشتركة بينهم، وما يميز كل شخصية عن الأخرى.

***

فعلى سبيل المثال: هل جمهور إسماعيل يس هو نفسه جمهور عمر الشريف؟ لا نعرف ذلك حتى الآن، لعدم توفر إحصاءات عن طبيعة رواد السينما آنذاك. وخلال مناقشة الدكتوراه، قيل لي إننا نردد دائمًا أن فريد شوقي هو “ملك الترسو”، لكن ليس لدينا أي دليل قاطع على أن الذين ذهبوا لمشاهدة أفلامه كانوا فعلًا من الطبقة العاملة أو من جمهور الترسو. فنحن أخذنا هذه الفكرة باعتبارها من الأمور المتداوله عنه، خصوصًا في أواخر أيامه، بعدما رسخ هذه الصورة لنفسه.

بالتالي، يمكننا القول إننا أمام نجوم كثُر، لكن هؤلاء كانوا أبرزهم وأنجحهم، بأشكال مختلفة: أحدهم سافر إلى إنجلترا وأصبح نجمًا عالميًا. والآخر صنع أفلامًا تحمل اسمه كأيقونة، حتى وإن كانت الشخصية التي يؤديها تحمل اسمًا آخر، وهذا وحده يبرهن على نجوميته الطاغية كنجم شباك، حتى وإن لم تكن أفلامه دائمًا في المرتبة الأولى من حيث الإيرادات.

أما الثالث، فقد استطاع تغيير جلده السينمائي بطريقة مستمرة منذ الأربعينيات، مرورًا بالخمسينيات والستينيات، وحتى عندما انتقل إلى التلفزيون. ولا ننسى أيضًا أن فريد شوقي كان منتجًا لأفلامه.

ومن خلال هذه الشخصيات الثلاث، نرى كيف كانت السينما في تلك الحقبة تصوغ نموذجًا مختلفًا لمعنى أن تكون مصريًا، ولم يكن ذلك من قبيل البروباجندا، بل كنوع من القوة والتمكين ببساطة وعفوية. ولم تكن تلك الأعمال تمثل دعاية لجمال عبد الناصر، باستثناء فيلم واحد تحدثت عنه، وهو فيلم “بورسعيد”، وكان العمل الوحيد الذي أشرت إلى أن عبد الناصر طلب من فريد شوقي تقديمه، إذ تناول أحداث بورسعيد خلال العدوان الثلاثي.

***

أما بقية الأفلام، مثل أعمال إسماعيل يس، فقد كان يصنعها بدافع شخصي منه. لذلك، عندما نشاهد هذه الأفلام اليوم، قد يرى البعض أنها كانت نوعًا من ممالأة النظام، وقد يكون هذا الرأي صحيحًا أو خاطئًا، لكنها في الوقت نفسه كانت تعكس تجسيدًا للأحلام، خاصة في بداية الخمسينيات، حين لم يكن النظام السياسي قد تبلور بعد.

فعلى سبيل المثال، جسد عمر الشريف في فيلم “صراع في الوادي” شخصية المهندس الزراعي البسيط، أو الفلاح الذي يحلم بتغيير البلد، وقد عولجت هذه الأفكار بطرق مختلفة. فالأفلام كانت تُصنع، لكن الممثلين أنفسهم كانوا يوازنون بين الأحلام والواقع المعاش.

  • في الفصل الخاص بعمر الشريف، ركزتَ على هويته كمزيج بين الناصرية والفتى الجان الحبيب.. هل أسهم زواجه من فاتن حمامة في تعزيز هذه الصورة؟

في رأيي، نعم، بكل تأكيد. فمن خلال قراءاتي للأرشيفات والمجلات الفنية التي تناولت عمر الشريف، نلاحظ أنه لم يكن يظهر بمفرده في البداية، بل كان يظهر دائمًا برفقة فاتن حمامة، إذ كانت هي النجمة الأولى، بينما كان هو لا يزال في بداياته، ولم يكن معروفًا بعد. وكان اسمها هو الذي يبيع الفيلم، وليس عمر الشريف.

واستمر هذا الوضع حتى تزوجا، فأصبحت قصة حبهما هي الواجهة، ورسخت عنه صورة الحبيب، إذ ظهرا في المجلات كثنائي رومانسي. ورغم أنهما لم يكونا الثنائي الوحيد في الوسط الفني، فقد سبقهما ليلى مراد وأنور وجدي، ومحمد فوزي ومديحة يسري، وغيرهم، إلا أنهما كانا الأكثر انتشارًا وشهرة. وأعتقد أن اختلاف الديانة شكل فارقًا،وتعرضا بسببه لهجوم كبير. وحتى الآن، ما زال الناس يكتبون عنهما، وعن قصة حبهما التي بقيت حاضرة حتى بعد وفاتهما، وكذلك عن تصريحاته المتكررة بأنه لم يحب امرأة بقدر حبه لها.

لكن هل كان ذلك حقيقيًا؟ لا أعلم. فعمر الشريف، كإنسان، كان واعيًا ومدركًا تمامًا لما يقوله، وحتى في أواخر أيامه، عندما عاد إلى مصر وأصبح يظهر في التلفزيون، كان يردد الكلام نفسه.

وسواء كان ذلك صحيحًا أم لا، فهذه مسألة تخصه، لكن الأهم هو ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لشخصيته الفنية كـ”حبيب”. وحتى عندما أصبح نجمًا في إنجلترا وإيطاليا وغيرهما، كانت له علاقات متعددة، وكانت باربرا سترايسند أشهرهن. ولأنها كانت يهودية وتدعم إسرائيل، فقد أخذ الموضوع بُعدًا سياسيًا.

لذلك، يمكن القول إن صورته كحبيب بدأت مع فاتن حمامة، لكنها لم تنتهِ بها، بل انتهت بها عندما نتأمله وهو يتحدث عنها في مصر، أما خارج مصر فقد كانت شخصيته مختلفة تمامًا. وأعتقد أن هذا الأمر يتكرر كثيرًا في الوسط الفني، حيث تُشكل العلاقات العاطفية جزءًا من الشخصية العامة للفنان.

غلاف الكتاب.. من المؤلفة
غلاف الكتاب.. من المؤلفة

 

  • هل تغيرت هويته القومية بعد تحوله إلى نجم عالمي في هوليوود وأوروبا؟

لقد تناولت هذه النقطة من شقين. الشق الأول، أنه برز في البداية بشخصية ذات هوية قومية، لكن بمجرد أن أصبح نجمًا عالميًا، تحولت صورته إلى نجم مصري يمكن توظيفه في أي شخصية أو دور، فلم يعد يمثل الهوية القومية بقدر ما يمثل صورة الأوروبي العربي أو الأوروبي القادم من الشرق الأوسط.

وأصبحت شخصيته تعبر عن إنسان من أصول شرق أوسطية، قادر على العيش في أوروبا بسهولة. وبعد ذلك، كان يفضل دائمًا الأعمال الأوروبية على أعمال هوليوود، إذ رأى نفسه أوروبيًا وليس أمريكيًا؛ فهناك تمايز واضح بين الثقافتين لديه.

أما الجزئية الثانية، فلم أدرجها في الكتاب، حيث تقع خارج الفترة الزمنية التي تناولتها، وهي أن أنور السادات طلب منه لاحقًا مهمة لصالح المخابرات، وقد نفذ ذلك بالفعل ولكنه لم يكرر التجربة. أما عن تغير صورته الذهنية لدى الناس، فنعم، لقد حدث ذلك. فبعد علاقته بباربرا سترايسند، رأى فيه كثير من المصريين شخصًا نسي هويته ومصريته، بينما لم يكن هو يكترث لذلك. فالبيئة المحيطة به كانت تؤثر عليه، لكنها لم تغير جوهره، إذ كان منفتح الفكر.

وبالنسبة لي، لا أستطيع الجزم بأنه تغير أو لم يتغير، لكن المؤكد أن الطريقة التي بدأ الناس ينظرون بها إليه هي التي تغيرت. ويمكن القول إن يوسف شاهين صاغ في البداية صورة لعمر الشريف تسلط الضوء على هويته القومية والمصرية، لكن عندما سافر إلى الخارج، بدأ يبتعد عن تلك الصورة النمطية التي تشكلت له.

  • أفلام إسماعيل يس العسكرية كانت مدعومة من النظام للترويج لسياساته، لكنكِ وصفتِ شخصيته بأنها رجولة غير مهيمنة.. كيف تغلغل هذا النموذج في الوجدان الشعبي كدعاية لجيش باحث عن الهيبة؟

نموذج إسماعيل يس، في رأيي، كان النموذج الأكثر نجاحًا. وحتى يومنا هذا، في عام 2026، لا يوجد أحد لا يعرف إسماعيل يس وأعماله، خاصة فيلم “إسماعيل يس في الأسطول”. فهناك أعمال ما زلنا نحب مشاهدتها باستمرار ونكررها، لأنه كان محبوبًا للغاية، رغم أنه اشتهر بتقديم شخصية الإنسان الفاشل، العاجز عن إنجاز أي شيء.

فإذا وضعت هذه الشخصية داخل الجيش، ماذا ستفعل؟ هذه هي الشخصية التي نجح من خلالها، وأصبح بها إسماعيل يس الذي نعرفه. وكان الغرض من ذلك إيصال رسالة للجمهور مفادها: إذا استطاع إسماعيل يس، بكل عيوبه، أن يصبح رجلًا في الجيش أو فردًا في الأسطول، فإن أي شخص قادر على فعل ذلك.

ولذلك، يمكن النظر إلى هذه الأفلام بوصفها نوعًا من الدعم المعنوي الموجه للشباب الذين كانوا يلتحقون بالجيش حديثًا، خاصة أبناء القرى والريف.

  • هل يمكن قراءة كوميديا إسماعيل يس بوصفها سخرية مبطنة، بدلًا من بروباجندا داعمة؟

يمكن أن تحتمل القراءتين معًا. فهي تنطوي على سخرية، لكنها ليست سخرية من النظام أو من الجندي نفسه، وإنما من الخوف من المنصب أو الرهبة من المكانة. وفي الوقت نفسه، كانت كوميديا محفزة؛ فإنني عندما أسلط الضوء على ظاهرة في المجتمع، أتناول قضية تمس الحالة الاجتماعية، وبالتالي كانت السخرية تحاول النفاذ بنوع من اللطف والدعابة التي كانت سائدة آنذاك.

وهناك فرق بين السخرية من الشخصية ذاتها، وبين التعبير عن الخوف الموجود. فكانت نوعًا من البروباجندا، حتى وإن لم يطلب عبد الناصر منه مباشرة صناعة تلك الأفلام؛ فهي في نهاية المطاف تحفز الناس على الانخراط في الجيش. ولكن الأهم من هذا كله هو مكانتها اليوم في الثقافة المصرية والأفلام المصرية، فلا تجد أحدًا لا يعرف هذه الأفلام.

  • تحول فريد شوقي من قالب الشرير إلى بطل الترسو والفتوة الشعبي.. إلى أي مدى ساهم هذا التحول في تفكيك نموذج الأفندي المتعلم لصالح ابن البلد؟

لا أعتقد أن نموذج الأفندي قد تفكك أو زال، لأن النموذجين كانا موجودين في الوقت نفسه. فالأفندي ظل حاضرًا، بدليل أن شكري سرحان وكمال الشناوي واصلا تقديم هذا الدور. ولكن تحول إلى موظف، ومن جسد هذا التحول بكثرة هو شكري سرحان. لذا، لا أظن نموذجًا استبدل الآخر، ولكن عزز حضور ابن البلد. وشهدنا تنوعًا في أشكال دور الأفندي في مصر لأن له جمهوره، ولكن الأثر الأكبر لهذا التحول تمثل في إزاحة صورة أولاد الذوات والطبقة الأرستقراطية من الشاشة.

  • هل كان صعود شخصية الفتوة استجابة لرغبة النظام في كسب الطبقة العاملة، أم تعبيرًا عن ذائقة شعبية فرضت نفسها؟

أولًا، بدأت هذه الظاهرة في الظهور داخل الكتابات والروايات، ثم انتقلت إلى السينما واتجهت للفئة الشعبية وشخصية الفتوة وما شابهها.

وثانيًا، كانت ظاهرة شعبية بامتياز، تشير إلى وجود استجابة بدأت تفرض نفسها، لكنني لا أعتقد أن النظام كان يضع نصب عينيه ضرورة توجيه السينما نحو هذا المسار، خصوصًا من أجل استقطاب الفئة الشعبية.

اقرأ أيضًا: «ناجي باسيليوس»: نحن لا نرى الأشياء بل تجليات الضوء عليها.. والحقيقة تسكن في المناطق الوسطى

  • من المفارقات التي ذكرتِها أن صناع السينما طالبوا بتأميم الصناعة لمحاربة تغول هوليوود، لكن النتيجة جاءت بيروقراطية.. كيف تحولت هذه الرغبة للنقيض؟ وهل يمكن للفن أن يظل حرًا عندما يصبح جزءًا من مؤسسات الدولة؟

مع بداية الثورة، تساءلت كل فئة عما يمكن أن تقدمه الثورة لها. ومن قبل الثورة، وتحديدًا في أواخر الأربعينات والخمسينات، كان صناع السينما يطالبون بوضع قوانين تحمي أعمالهم، لعلمهم بعدم قدرتهم على منافسة أفلام هوليوود.

وكان السؤال: لِمَ لا نضع قوانين تفرض عرض فيلمين أجنبيين مقابل فيلم عربي؟ وهذا ما بدأ يحدث بالفعل. ولكن عندما تدخل النظام، كان التوجه في البداية هو ترك الأمور على طبيعتها، ولكن لاحقًا، إذا قدمت فيلمًا يحمل أيديولوجية ترتبط بالعروبة أو بالنظام الناصري، كان يتم إعفاؤك من دفع النسبة المفروضة على الأفلام الأخرى. وبعد ذلك، قرر النظام تقديم دعم مالي لتمويل بعض الأفلام.

وكان صناع السينما يطمحون للحصول على دعم لحمايتهم وتمكينهم من منافسة السينما العالمية. وما حدث بعد ذلك أن النظام، الذي لم يكن يتدخل في البداية وتاركًا السوق للمنافسة، بدأ يتخذ خطوات فعلية؛ فرأى أن السينما يجب أن تتسق مع النظام الجديد، وصار كل نظام يأتي بعد ذلك يتبع النهج نفسه. بالتالي، أصبحنا نرى أفلامًا تظهر الباشاوات في صورة سيئة، ثم جاء نظام السادات ليظهر أن نظام عبد الناصر كان فاسدًا. هذا الأمر لا يرتبط بطبيعة النظام الحاكم بقدر ما يرتبط بسقف الحرية؛ أي أن حريتك مكفولة في انتقاد النظام السابق كما تشاء، ولكن يُحظر عليك المساس بالنظام القائم.

***

بعد ذلك، عندما تم الاستحواذ على الاستوديوهات، تلاشت الأحلام التي كانت تدغدغ مخيلة صناع السينما الذين ظنوا أن الدعم سيساعدهم؛ إذ إن البيروقراطية التي صاحبت إدارة الاستوديوهات دمرت الفن، لأنهم تعاملوا مع الفن والعمل السينمائي كأنه مؤسسة عسكرية أو حكومية. فصعدت شخصيات لا علاقة لها بالفن إلى مراكز القرار لتتحكم في آلية عمل الاستوديوهات مثل ستوديو الأهرام وغيره، وتأممت بحيث لم تعد قادرة على الاستمرار.

وهناك فرق جوهري بين الدعم والتدخل؛ فما بدأ كدعم مالي تحول لاحقًا إلى تدخل، ثم كانت الخطوة الأخيرة هي التأميم. وقد أممت منشآت كثيرة، لعل أشهرها شركة محمد فوزي، فبدأت صناعة السينما في الانهيار لعجزها عن الاستمرار وفق هذا النظام البيروقراطي. ونتيجة لذلك، بحث الفنانون عن مجالات أخرى، مثل كمال الشناوي الذي اتجه للتلفزيون، بينما هاجر نجوم آخرون إلى لبنان وتركيا، فحدثت فجوة كبيرة في السينما المصرية في أواخر الستينيات.

ورغم ذلك، نجد الأفلام الأكثر نجاحًا والأعلى تقييمًا والتي توصف بأنها أجمل الأفلام المصرية هي التي أُنتجت في تلك الفترة، ولكن هذا لا يعني أن النظام كان سبب هذا النجاح؛ بل إن الكثير من المبدعين اتجهوا إلى سينما المؤلف. لكن الفجوة حدثت في السينما وفي النظام بأكمله، إذ يجب أن نراعي أن تلك الفترة شهدت النكسة، ولذلك يجب أن نأخذ في الاعتبار أحداثًا سياسية كبرى كانت تفوق الفن حجمًا وتأثيرًا.

  • تحدثت عن ميثاق 1952، كيف حدد ملامح الشخصية المصرية الجديدة؟ وهل يعني ذلك أن السينما تقود التغيير أم تتنبأ به؟

أرى أن العلاقة كانت عبارة عن حوار متبادل؛ حيث الأحلام التي تظهر على الشاشة تولد في الوقت نفسه الذي يقول فيه الناس: “إذا كانت هذه الأيديولوجية تمثلنا، فنحن نريدها بهذا الشكل”. لقد كانت بمثابة الحلم الذي تم تسويقه وقبوله.

وفي الوقت نفسه، لم تكن السينما تتنبأ بالمستقبل بالمعنى الحرفي، بل جسدت حلم ما بعد 1952. فبعد أي ثورة أو انقلاب، يشعر الجميع بالابتهاج لاعتقادهم بأن القادم أفضل، وفي هذه البدايات يفضل الناس رؤية الجوانب الإيجابية، فكانت تلك أحلامًا.

أما هل أدت إلى تغيير حقيقي؟ قد يكون ذلك صحيحًا أو لا، بناءً على النسبة التي نقيس بها هذا التغيير. لكن ما نلاحظه أن النجوم صاغوا هذه الأيديولوجية وجسدوها قبل أن تُصاغ وتُكتب رسميًا، كنوع من المحاورة. ومفهوم العروبة تحديدًا هو ما بدأ عبد الناصر في ترسيخه في الفكر الثقافي المصري، إذ كان نادرًا قبل عهده أن يصف أحد مصر بأنها عربية.

  • هل خسرت السينما المصرية جزءًا من هويتها عندما أصرت على صبغ بداياتها بصبغة قومية؟

لا أعلم إن كان هذا الإصرار أفقدها جزءًا من شكلها أم غيره. ولو نظرنا إلى الأفلام التي سبقت مفهوم السينما القومية، سنجدها تحمل أيضًا فكرًا قوميًا؛ أفلام الأربعينيات والخمسينيات يتناول الكثير منها هذا الطرح، مثل فيلم “فاطمة وماريكا وراشيل” لمحمد فوزي ومديحة يسري، فهو عمل كوميدي يناقش قضية الوحدة الوطنية في مصر بطريقة معينة.

وعندما بدأ التركيز على القومية باعتبار مصر للمصريين، وكأن القومية المصرية تملك تعريفًا واحدًا، فالسينما خسرت تنوعًا معينًا، ولكنها لم تخسر معنى القومية ذاته، بل ركزت على نمط محدد وجعلته هدفًا لها.

ويمكننا القول إن يوسف شاهين هو أكثر مخرج تحدث عن القومية المصرية، ورغم ذلك فإن مفهوم القومية عنده ظل رحبًا وغير محدود بقالب ضيق.

  • أشرت إلى الجدل حول أول فيلم مصري طويل بين “ليلى” و”في بلاد توت عنخ آمون”.. كيف ترين تأثير الخطاب القومي في إعادة كتابة تاريخ السينما؟

تكمن المشكلة في تصنيف الأشخاص إلى مصريين وغير مصريين، وهو نوع من الفكر الذي بدأ ينتشر في ذلك الوقت تحت شعار “مصر للمصريين”. إذ بدأ الترويج لنظرة ترى أن فيلم “ليلى” هو أول فيلم مصري، لأنه صُنع بأيد مصرية، وبأموال مصرية، وكان طاقم العمل والممثلون كلهم مصريين، بينما كان فيلم “في بلاد توت عنخ آمون” من إخراج إيطالي مقيم في مصر.

والمفاضلة بين العملين تعكس تساؤلًا حول رمز الهوية في تلك الحقبة، التي كنا نعيشها تحت وطأة الاستعمار، مع مقاومة هذا الفكر، فكانت الهوية المصرية تمثل لهم أهمية قصوى.

وبالتأكيد هو أمر رائع أن يكون طاقم العمل بأكمله من المصريين، ولكن يجب ألا ننسى أيضًا أن مصر من العشرينيات إلى الخمسينيات كانت متعددة الثقافات والهويات؛ إذ كان هناك أجانب خواجات يعتبرون أنفسهم مصريين، وهناك فيلم من العشرينيات كان مصوره مصريًا.

لذا، كان هدفي تبيان ما إذا كان هذا التوجه يمثل محاولة لمحو جزء من تاريخنا، أم الرغبة في تأكيد الاستمرارية والتركيز على الهوية المصرية الخالصة.

  • أوضح الكتاب أن نظام النجوم في مصر اختلف عن هوليوود، لأنه كان قائمًا بالفعل في المسرح والغناء قبل السينما.. هل أثرت هذه الخلفية في صياغة مفهوم الهوية الذكورية على الشاشة لاحقًا؟

أثرت كثيرًا، بالطبع. فعلى سبيل المثال، اخترت 3 نجوم لا يغني أحد منهم، ولكن لو كنت أتحدث عن عبد الحليم حافظ لظهر الفارق؛ إذ كانت أغانيه بالنسبة له تحظى بأهمية تفوق أفلامه. ونحن لدينا في المنظومة الفنية المصرية، كلما كان للفنان حضور أكبر في مجال الغناء، كلما زادت أهميته ومكانته، لأن الموسيقى تمثل ركنًا أصيلًا لدينا.

أما بالنسبة للذكورة أو “الرمز الذكوري”، يمكننا تطبيق ذلك على شخصية مثل عبد الحليم؛ فالفتيات ظللن يتأثرن به حتى بعد وفاته، ووجب أن يظهر في دور محدد وبمشاعر معينة لكونه مطربًا وممثلًا في آن واحد.

وفي المقابل، نجد شخصًا مثل إسماعيل يس كان يطمح في بداياته أن يصبح مغنيًا، ولكن ابتعد عن ذلك لأن هيئته لا تتوافق مع الصورة النمطية للمطرب التي يفضلها الجمهور المصري.

فنحن لدينا نمط محدد يرتبط بموضوع الغناء؛ فمثلًا من بين المطربين المشهورين جدًا محمد عبد المطلب، ولكن لم يكن أحد يستعين به في الأفلام كممثل رئيسي. أيضًا عدوية كان نجمًا شعبيًا، وهذا التميز هو ما وضعه داخل قالب الغناء الشعبي. وبالتالي، هناك عاملان يحددان هذه الصورة: أولًا نوع الموسيقى المقدمة، وثانيًا طبيعة الأدوار التي يجسدها الممثل.

  • يعتمد الكتاب على الأرشيف والمجلات الفنية.. ما الصعوبات التي واجهتكِ في تفكيك هذه المواد؟ وكيف ساعدتكِ الصحافة الفنية في كشف التناقضات بين حياة النجوم الشخصية وصورتهم على الشاشة؟

كانت المجلات والصحافة الفنية شديدة الأهمية، لأنها أتاحت مقارنة الصورة الذهنية التي نعرفها عن الفنانين عامة، بحقيقتهم وحياتهم الشخصية، مثلاً، الصحافة الفنية وثقت وأظهرت أن عمر الشريف كان يؤدي دورًا ثانيًا في بداياته؛ في مجلات تلك الفترة، نجد أن فاتن حمامة هي الواجهة والبطلة المطلقة دائمًا، بينما يأتي عمر الشريف في المرتبة الثانية لأنها كانت النجمة الأولى آنذاك. وطبعاً هذا الوضع انقلب تمامًا بعد وصوله إلى العالمية.

وفي الوقت نفسه، كشفت الصحافة الفنية ملامح من حياة النجوم الشخصية، إذ كانت معظمها حوارات تبرز فكرهم الحقيقي.

كما لعبت هذه الصحافة دورًا مهمًا في توضيح جوانب كثيرة من حياة فريد شوقي؛ إذ كانت حياته الشخصية وفكره على نقيض شخصية الفتوة التي كانت تظهر على الشاشة، بل كان إنسانًا متفتحًا للغاية، فكانت صورته الفنية مغايرة تمامًا لطبيعته الفكرية وحياته الواقعية.

أما الصعوبة الثانية، فتمثلت في وجود تفاصيل كنت أود معرفتها بدقة، دون القدرة على معرفة إن كانت حقيقة أم آراء نقدية؛ مثل أرقام أو تقارير تفيد بأن فيلمًا ما لم يكن ناجحًا، وأن الناقد يرى الفيلم سيئًا، يظل السؤال: هل هذا رأي الناقد بمفرده أم رأي الجمهور كله؟

لذلك، كان من بين الأمور التي تمنيت إنجازها هو إجراء مقابلات شخصية مع الناس الذين عاصروا السينما في تلك الحقبة، وتحديدًا من ارتادوا أفلام فريد شوقي وسينما الترسو، لسؤالهم: هل شاهدتم أفلام فريد شوقي في السينما بالفعل، أم لاحقًا عبر شاشات التلفزيون؟ لأننا في الواقع نشأنا وتكونت لدينا هذه الصورة الجاهزة عن إسماعيل يس وفريد شوقي بأن نجاحهما ساحق، وعمر الشريف باعتباره البطل الحبيب الرومانسي.

وثمة أمر آخر كنت أتمنى الوصول إليه، وهو الاطلاع على الأرشيف الشخصي لهؤلاء النجوم، لكنني لم أتمكن من الوصول إليها، وكنت أتمنى معرفة ما يكتبه الجمهور لهم مباشرة بعيدًا عن وسيط الصحافة.

  • هل فكرتِ في مقابلة أبناء وأحفاد هؤلاء النجوم للتعرف عليهم بشكل أقرب؟

فكرت في الأمر، ولو توفر لدي متسع من الوقت لَأحببت بالتأكيد التواصل والحديث معهم باستفاضة. وبالفعل، تواصلت مع المنتجة الراحلة ناهد فريد شوقي، وكنت أنوي السفر إلى مصر لإجراء حوار معها، ولكن تلك الفترة تزامنت مع أزمة جائحة كورونا فلم يُكتب للموضوع النجاح.

وأعتقد أنه إذا كان هناك خطوة مستقبلية أو مشروع قادم، فسيكون التركيز فيه على محاولة الاطلاع على الأرشيف الشخصي لهؤلاء النجوم.

  • هل ترين أن السينما أنصفت الرجل المصري وعبرت عن تحولاته الاجتماعية والأيديولوجية في عهد عبد الناصر، أم حملته أدوارًا أكبر من قدرته؟

لا أعتقد أنها حملته أدوارًا تفوق طاقته، بل أرى أنها أثرت في أيديولوجيته وفكره بشكل كبير، واستطاعت أن تصوغ في الفكر الثقافي رمزًا للرجل المصري بملامحه ومواصفاته وفكره.

فقد نجحت السينما في تقديم صورة واضحة ومحددة عن الرجل المصري، ولا سيما لأفراد الجيل الأول الذي بدأ يشكل جزءًا من المجتمع الحديث والمتطور فكريًا، وخاصة مع موجات الهجرة التي بدأت تتدفق من الأرياف نحو القاهرة والمدن الكبرى.ولم تمنح السينما الرجل المصري رمزية مبالغًا فيها أو زيادة عن حقيقته، بقدر ما ساهمت في بلورة ملامحه؛ أي أنها أوضحت صورته الحقيقية وجسدتها بدقة أكثر من كونها أضافت إليها أبعادًا مصطنعة.

اقرأ أيضًا: الكاتبة «هاجر عادل»: الخطر الأكبر على الحرف التراثية ليس اندثارها بل سرقة هويتها المصرية

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.