حكاوي

الأعمال المصرية على «نتفليكس» من يوسف شاهين لأحمد خالد توفيق!

لا أعلم من المسئول عن المحتوى في “نتفليكس” مصر، ولكن أيا كان فهناك ملاحظات كثيرة على كم ونوعية هذا المحتوى، أولها أنه لا يتناسب مطلقا مع حجم مصر في مجال السينما والدراما، ولا يمثلها فنيا تمثيلا يعبر عن أفضل إنجازاتها في هذين المجالين.

قوائم “مفضلة”

هناك نوعان للمواد التي تعرض على المنصات: مواد يتم شراء حقوق عرضها بعد إنتاجها، جديدة أو قديمة، وهي ملك أصحابها، لا يربطها بالمنصة سوى تعاقد لعدد محدد من السنوات يكون من حق المنصة خلالها أن تعرض هذه المواد بشكل غير حصري، وهناك مواد تقوم المنصة بإنتاجها أو بالمشاركة في إنتاجها أو بشرائها بعد إنتاجها أو شراء حقوق عرضها حصريا لفترة محددة.

هناك منصات كثيرة معظمها إقليمي ولكن “نتفليكس” تتميز بأنها “عالمية” ، لها فروع في كل القارات والمناطق التي تجمعها ثقافة ولغة واحدة، وفي بعض البلاد الكبيرة. والمحتوى الذي تعرضه “نتفليكس” كبير جدا ومتنوع اللغات والأنواع، ومع أن معظم المواد متاحة للعرض في كل مكان (إلا إذا كانت حقوق عرضها لا تشمل أماكن بعينها)، فإن لكل منطقة محتوى عرض يختلف عن الأخرى، وهناك قوائم “مفضلة” لكل منطقة وبلد، خاصة أنه يصعب على أي أحد أن يلم إلمام كامل بما تحتويه المنصة لكثرته وتنوع لغاته.

الذوق القياسي

من ناحية المواد “العالمية” التي تعرضها “نتفليكس” على منصتها العربية فهي جيدة بشكل عام، وإن كانت تعبر عن “الذوق القياسي” العام، وهي قابلة للتحسن، أو التردي دوما حسب اهتمام وميول جمهور المنصة في المنطقة، وحسب ذوقهم ومفهومهم عن الجيد والرديء فنيا.

من ناحية المواد العربية التي تقوم المنصة بشراء حقوق عرضها فهي تميل للأفلام “المعترف بها” ، التي سبق أن فازت بجوائز عالمية أو نالت استحسانا جماهيريا ونقديا ملحوظا، ولكن فيما يتعلق بالمواد المصرية تحديدا فهناك ميل عام للأعمال “التجارية” التي يمكن وصف معظمها بالغث، وذلك على حساب الأعمال الفنية المتميزة.

غياب مريب

باستثناء بعض أفلام يوسف شاهين (بما أنه الممثل العالمي الشرعي للسينما المصرية) وقليل من أفلام شركته ( “مصر العالمية” ) وحفنة تعد على الأصابع لأفلام أخرى، هناك غياب مريب للأعمال الفنية الكبيرة التي أنجزتها السينما المصرية الكلاسيكية والجديدة والمستقلة، الروائية والوثائقية.

هناك تفسيران لهذه الظاهرة: إما أن المسئول عن المحتوى لا يعرف هذه الأعمال، ويتكاسل عن أن يسأل ويفتش عنها، وإما أن هناك تعمد لاختيار أعمال متواضعة وتجارية توحي بأن السينما والدراما المصريان لا ينتجان سوى هذه النوعية التجارية الرخيصة.

لا أعلم أيهما أسوأ: الجهل أم سوء النية؟

تجارب محدودة

هناك عشرات الأفلام المصرية الممتازة، وعدد كبير من المخرجين المتميزين، وهناك عشرات الأفلام الوثائقية وعشرات من الأفلام المستقلة، لا أثر لها على “نتفليكس” ، ولو كنت قادما من الفضاء أو من بلد بعيد لا يعرف شيئا عن السينما العربية، وجلست تتصفح محتوى “نتفليكس” العربي، فسوف تتكون لديك قناعة بأن لبنان رقم واحد وأن السينما السعودية عظيمة وأن مصر (باستثناء مخرج واحد هو يوسف شاهين، وحفنة قليلة من الأفلام الأخرى) لا تنتج سوى التفاهة.

من ناحية الأعمال المصرية التي تنتجها “نتفليكس” فلم تزل تجارب محدودة، للأسف لم ينجح أحدها في تحقيق نسب مشاهدات عالمية تشجع المنصة على إنتاج المزيد، ولكن ذلك يعود للقائمين على اختيار هذه الأعمال.

قامت “نتفليكس” ، مثلا، بالترويج لمشروع كبير عن إنتاج سلسلة روايات “ما وراء الطبيعة” التي كتبها “عراب” الجيل أحمد خالد توفيق، وعهدت للمخرج المتميز عمرو سلامة بإخراج الموسم الأول من المسلسل الذي ضم ست حلقات، ورغم أن العمل جيد بمقاييس الدراما العربية، لكنه لم يلق ما توقع منه على المستوى العالمي.

قص ولصق

بالنسبة لجمهور أحمد خالد توفيق فهو مؤلف أصلي، ولكن بالنسبة للجمهور العالمي والجمهور الخبير بروايات وأفلام الرعب، فكل السلسلة عبارة عن قص ولصق من الروايات والأفلام الأمريكية والأوروبية، وليس بها أي شيء أصلي، سوى روايتين أو ثلاثة حاول فيهما استلهام بعض “الأساطير” العربية مثل “النداهة” ، ولكن بسطحية وأسلوب “شبابي” يعبر عن ثقافة وعصر “الأغنية الشبابية” والدعاة الشباب. ولا عجب، إذن، أن تكون اختيارات المسئولين عن الإنتاج المصري في “نتفليكس” معبرة عن هذا المستوى المتوسط، “الميديوكر” ، الذي يخلو من أي أصالة.

يجب أن نعترف أيضا أن المسألة لها علاقة بجمهور المنصة. حتى الآن هو جمهور ينتمي للطبقة العليا والوسطى التي تملك “تليفزيونا ذكيا” وقدرة على دفع 165 جنيها شهريا، وقبل ذلك تفتح عقلي لتقبل ما تعرضه المنصة من أعمال “غير مراقبة” (وهو موضوع خطير يحتاج إلى مقال آخر). هذا الجمهور المحدود (إلى الآن) لا يبتعد كثيرا عن ذوق ومستوى الجمهور العالمي “المتوسط” ، وهو قابل لأن يرتفع أو يهبط، حسب توجه الذوق العام وحركة الاشتراكات في المنصة خلال السنوات القادمة.

والحق يقال، أخشى أن يأتي يوم نتحسر فيه على الأعمال المصرية الجيدة التي كانت تعرض على “نتفليكس” !!

اقرأ ايضا:

نساء وسود ومثليون: ضد العنصرية.. وضد السطحية أيضا!

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى