الأسطى «محمد رسمي».. آخر صنايعية الحنطور في الفيوم

بجوار عربة حنطور قديمة ترك الزمن آثاره عليها بشكل واضح، يجلس الأسطى محمد رسمي، رغم ابتسامة بسيطة على وجهه، إلا أن ملامحه كانت تشي بأسى وحظ تعس، إذ أن مهنته كصانع عربات الحنطور باتت مهددة بالزوال في محافظة الفيوم. أنه اليوم آخر صنايعية الحناطير.. تلك الصنعة التي كان يعمل بها في عقود سابقة العشرات من السائقين والصنايعية.. «باب مصر» يسترجع مع الأسطى محمد ذكريات المهنة.

آخر الصنايعية

عرفت مصر عربة الحنطور كوسيلة انتقال في أواخر القرن التاسع عشر، وظلت هذه العربة تحتل المكانة الأولى في وسائل النقل حتى ثلاثينيات القرن الماضي، وكان يستخدمها علية القوم والأمراء والأثرياء، حيث كان يتم استيرادها من الخارج، وكانت تجر العربة خيول عربية أصيلة، بينما كان العامة يستخدمون الحمير وعربات الكارو كوسيلة انتقال، ثم بدأت عمليات تصنيع محلية لعربات الحنطور في العديد من المحافظات، فلم يعد استخدامها في التنقل قاصرًا على الأمراء والأثرياء فقط، ولكن استخدمها عامة الشعب.

يتحدث الأسطى محمد عن تصنيع عربات الحنطور بالفيوم، ويقول: “وعيت على الدنيا لقيت الحنطور في البيت، كان أبويا وعمي معاهم أحسن الحناطير في الفيوم، وأنا وصلت 60 سنة قضيت منهم 45 سنة معرفش غير المهنة دي”.

وتابع: بدأت وأنا صغير ركوب العربة مع والدي، وعندما كبرت بدأت تعلم تصنيع هيكلها وعمل فرش الكبوت الخاص بها، وكنت أذهب إلى القاهرة عندما يضيق الحال في الفيوم، لعمل “مرمات” للعديد من الحناطير، حيث كان يطلبني أصحاب العربات أما الآن فلا يطلبني أحد، ويقتصر عملي على إصلاح التالف من فرش العربات أو تركيب الحليات المعدنية أو أعمال الطلاء، وتشحيم العجل وغيرها من الأعمال البسيطة.

ويستطرد محمد، لا يوجد الآن في الفيوم سوى 15 عربة حنطور فقط، بعد أن كانت المحافظة بها مئات العربات تسير في كل شوارع المدينة، إضافة إلى الحناطير التي كانت تمتلكها بعض العائلات الكبرى للاستخدام الخاص، كما أن مجلس مدينة الفيوم كان لديه ثلاث عربات كانت تستخدم في تنقل مهندسي ومديري المجلس في مرورهم على أعمال وأشغال المجلس.

 تصنيع الحنطور وأنواعه

تصنيع عربة الحنطور يتم عبر عدة مراحل، يقول الأسطى محمد عنها: الأول يتم تصنيع هيكل الحنطور، الذي عادة يكون من الخشب وهو عبارة عن قطع منفصلة يتم تركيبها معا، وتكون من خشب الزان، أما تصنيع العجل فيستخدم فيه خشب الأشجار وتحديدًا خشب السرسوع أو التوت الموجود بالفيوم، ثم يضاف إلى الجوانب القطع الحديدية.

أما الكبوت، فيستخدم فيه الجلد، وكنا نأتي به من مدينة ملوي بالصعيد، وكان فرش الحنطور بالكامل من الجلد لا يتعدى الـ300 جنيها، أما الآن فالكبوت يتكلف ما يزيد عن أربعة آلاف جنيه، لذلك نستخدم بدلا منه المشمع، أما فرش الكبوت من الداخل ويسمى “البطانة” يقفل بالجلد والقماش القطيفة بألوانه النبيتي الأحمر الداكن أو الأزرق الغامق والزيتي، ويتم تزينه بقطع النحاس والستائر من خلف المقعد حيث تحتوى كابينة الحنطور على كنبة كبيرة وفي مقابلها كنبة صغيرة يتم تنجيدها بالقطن وكسوتها بالجلد وتغطيتها بالمشمع.

ويشير إلى أن العربة كانت تزين وتجمل بإكسسوارات تصنع من النحاس، أما الآن تصنع من الصفيح أو الصاج، وكانت عبارة عن أشكال منها السمكة أو كف اليد أو العين التي توضع بها خرزة زرقاء وأيضا النجوم، كما كان يوجد بالعربة جرس لم يعد موجودًا الآن، لأن سعره وصل إلى 2000 جنيه ولا يستخدمه أحد اليوم في حناطير الفيوم.

كما اختفت أيضًا الفوانيس التي كانت توجد على جانبي الحنطور، وكانت عبارة عن علبة من النحاس وبها زجاج يتم إنارتها بالشمع أو الكيروسين “الجاز” ولا يوجد الآن حنطور به فوانيس، بسبب إنارة الشوارع.

وذكر رسمي أن عربات الحنطور كانت لها طرز مختلفة، منها الإيطالي المميز بهيكل العربة القريب من الشكل المربع، والطراز النمساوي أو الإنجليزي، والذي يكون فيه جسم الحنطور مجوف على شكل دائري، والطراز المصري الذي يكون فيه جسم الحنطور دائري.

التاكسي والحنطور

منذ قرابة ثلاثة عقود، بدأت محافظة الفيوم في ترخيص سيارات التاكسي، ما أدى لضعف الإقبال على استخدام عربات الحنطور داخل المدينة بالتزامن مع إلغاء خط السكة الحديد الذي كان يمر بالقرى، الأمر الذي انعكس بالسلب على سائقي الحنطور بعضهم لجأ لتغيير مهنته وبيع عربته – حسبما ذكر رسمي- ويقول: “حالنا وقف من أول ما دخل التاكسي الفيوم، تجمعنا كسائقي حنطور وذهبنا إلى محافظ الفيوم نشكوه من سيارات التاكسي، وطالبنا أن يكون التاكسي خارج المدينة يعمل على إيصال زبائن المراكز والقرى وأن يترك لنا زبون المدينة وضواحيها، لكن طلبنا قوبل بالرفض، وكان رد المحافظ وقتها: “أتعلموا السواقة واشتروا تاكسيات”.

من المفارقات أن ما حدث مع سائقي الحنطور بالفيوم في أوائل التسعينات، كان إعادة لما حدث مع سائقي الحنطور في القاهرة في العشرينات. حيث إنه في عام 1924 أضرب جميع سائقي الحناطير في القاهرة، وتوقفت كافة عربات الحنطور عن العمل والسير في شوارع القاهرة، بسبب ظهور سيارات التاكسي، والتي أصبح يفضلها الناس أكثر من الحنطور.

ويذكر تلك الواقعة الكاتب مصطفى أمين في كتابه “من واحد لعشرة”، والذي يعد سيرة ذاتية لمصطفى أمين يحكي فيها عن طفولته التي يعايش فيها جده سعد زغلول، فيقول: “مشى الحوذية في الشوارع يحملون كرابيجهم يلوحون بها ويطرقعونها في الهواء أثناء سيرهم في المظاهرة والتي كانت تحدث فرقعة كأنها طلقات مدافع رشاشة، ثم اتجهوا إلى بيت الأمة لمقابلة سعد زغلول وسط هتافات صاخبة، يتطاير الشرر من أعينهم ويملئ ملامحهم الغضب”.

ويكمل مصطفى أمين ويصف كيف عرض سائقي الحنطور مطالبهم على زعيم الأمة، والتي تمثلت في رغبتهم بمنع مرور عربات التاكسي في الشوارع، لأن ذلك يؤثر على مهنتهم ورزقهم وقوت يومهم، مستميلن حسه الوطني بأن السيارات صناعة إنجليزية وأن الحنطور صناعة مصرية، وأن ما تأكله الخيل يزرعه الفلاح، أما بنزين السيارات فيتم استيراده من بريطانيا المعادية للوطن، وذكروا خطر السيارة فعندما تصدم أحد يموت، أما الحنطور فهو آمن لا يقتل أحد.

وتابع أمين: وبعد أن استمع زغلول لشكوى العربجية، قال لهم أنا عربجي مثلكم أقود العربية كما تقودونها، وأشار إلى أن الحكومة والشعب مثل عربة الحنطور ومصر هي الزبون الوحيد الذي يستقل تلك العربة لكنه لا يحمل الكرباج كما يحملونه، وبتلك الكلمات اختفى الشرر من أعين الثائرين، وشعروا بالسعادة، لأن زعيم الأمة يؤكد لهم أنه عربجي مثلهم، ثم وضح لهم أن الزبون يريد أن يصل لجهته بسرعة، وأن الدولة في عهد السرعة تماما كما تريد مصر، وأن أي تأخر أو إبطاء ليس في مصلحة الزبون، وبما أني أقود عربة الدولة لا أقبل لها أن تسير ببطء في عصر السرعة، وأنه ليس من المعقول أن تكون الطيارة في بلاد أخرى تحل محل السيارة وألزم مصر بأن تركب الحنطور.

ثم سألهم زغلول هل تريدون وتقبلون أن الدول الأخرى تتقدم عن بلدكم؟، وماذا كنتم ستقولون لأصحاب عربات الكارو التي كانت من قبلكم لو كانوا طالبوا بمنع عربات الحنطور؟، فإذا كنتم تريدون أن تسير مصر بسرعة الحنطور سوف أفعل ما تريدون، وما كان من العربجية إلا أن صاحوا في صوت واحد: لا “بسرعة الطيارة”، فقال لهم سعد: إذن اتفقنا، ثم هتف الحوذية يحيا سعد باشا، وهنا قال لهم سعد لا قولوا: “يعيش الأسطى سعد”.

ذكريات قديمة

يتذكر رسمي حال العربجية قديما وكيف كانت مهنتهم رائجة، ولأن أعدادهم كانت كثيرة فقد كان لهم “شيخًا” أي كبير سائقي الحناطير، وهو المسؤول عن حل النزاعات فيما بينهم وتقسيم العمل إذا كان هناك مشاكل، وأبرز من قام بهذا الدور في الفيوم حسبما يقول هم: “الشيخ مصطفى بيومي”، والحاج “على عوض الله”، الذي كان نائبا في البرلمان خلال الفصل التشريعي الأول (1971 – 1976).

ويختتم حديثه: أصبحت المهنة “زي قلتها “ولا تأتي بهمها فقد كرهتها، وندمت على العمر الذي انقضى فيها.

اقرأ أيضا

عم محمد سائق الحنطور: «بقينا أنتيكا»

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى