الأسئلة الحرجة في ملف التكفير وحرية الدين والاعتقاد (3/4)

تاريخ الصراع التأويلي بين الفقهاء من المذاهب الإسلامية المختلفة حول التكفير وحرية الدين وحد الردة، كان محور حديث الجزء الثاني من مقالات المفكر الكبير نبيل عبدالفتاح عن حرية الدين والاعتقاد. إذ تطرق فيه إلى شرعية الحرية الدينية واستخدام الجماعات الإسلامية السياسية الراديكالية، سلاح التكفير والردة كسلاح رمزي في مواجهة خصومها السياسيين.

 ثانيًا: الانتفاضات الجماهيرية، ووصول الأخوان والسلفيين إلى السلطة: إكراهات الواقع المتغير:

أدت الانتفاضات الجماهيرية الواسعة عام 2011 في تونس، ومصر، والاضطرابات الواسعة إلى وصول جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين إلى السلطة في مصر، وجماعة النهضة الإسلامية في تونس.

شكلت هذه المرحلة المضطربة من حكم الإسلاميين، عديد من الانتهاكات لحرية التدين والضمير في مصر. من خلال نظام الحسبة العرفي الذي مارسه السلفيين على السلوك الاجتماعي في المجال العام. وأدى إلى مقتل شاب كان يجلس مع خطيبته في الطريق العام في مدينة السويس. وإلى رمى أحد السلفيين لطفل من فوق سطوح منزل بالإسكندرية. وشهدت مصر اعتداءات من بعض هذه الجماعات على الأقباط ودور العبادة وحرمه بعضها، في واحدة من أسوا الأزمات الطائفية في التاريخ المصري المعاصر.

**

شمل الانتقال السياسي، تغيير الدستور المصري عام 2012، ووضع بعض النصوص التي كان يمكن استخدامها لتغيير طبيعة الدولة ونظامها القانوني. ومن ثم أثر ذلك على حرية الضمير والتدين والاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية.

أدى فشل الأخوان والإسلاميين، وممارساتهم السياسية المضطربة وغير الكفوءة، فضلًا عن محاولتهم بناء هندسة دينية تسيطر على السلوك الاجتماعي، والديني، وفي تديين وأسلمه الحياة العامة- المجال العام- والمجال الخاص، من خلال فرض القيود على المرأة، عبر نظام الزى system de mode والحجاب، والنقاب، واعتبارهما من الفرائض الدينية، ليس جزءًا من عادات السلوك الاجتماعي، أو الأخلاق الدينية.

أدت هذه الظواهر إلى انتفاضات مليونية، ساهمت في عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي وجماعة الأخوان المسلمين، وتغير تركيبة السلطة السياسية الحاكمة بعد مرحلة انتقالية، وانتخاب الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيسا للجمهورية.

**

لاشك أن تجربة الإسلاميين في السلطة وفشلهم في إدارة الدولة والنظام السياسي، والضغوط والعنف الذي مارسوه على المواطنين أيا كانت دياناتهم أدت إلى عديد من الظواهر الجديدة يمكن رصدها فيما يلى:

1- شيوع الإحساس لدى بعض من شرائح جيليه من الطبقة الوسطى – الوسطى بفشل المشروع الإسلامي السياسي، وعدم قدرة الإسلاميين السياسيين وجماعاتهم على مواكبة تحولات عصرنا.

2- تزايد القلق والشك لدى بعض الأفراد في بعض الآراء والأفكار الدينية التي كانت تروجها بعض هذه الجماعات. لاسيما الأفكار العقائدية والفقهية والتأويلية التكفيرية والمتشددة، وأنها تشكل قيدًا على حياتهم.

3- بعض الأفراد من جيل الشباب القلق بدأ يطرح تساؤلات دينية حول العقائد والقواعد الشرعية. ولا يجد إجابات حولها من رجال الدين الرسميين، والدعاة، والسلفيين. على نحو أدى إلى إثارة شكوك بعضهم، واتجاه بعضهم إلى اللامبالاة الدينية.

4- ساهمت بعض الفضائيات التلفازية الدينية، وبرامج بعض رجال الدين المسيحيين، في السجال والصراع حول العقائد الدينية. وهو ما اجتذب قلة من الشباب المسلم. وأدى ذلك إلى التحول الديني إلى المسيحية، وهى إعداد غير معروفة، لأنها تتم سرًا.

5- إعداد المتحولين إلى المسيحية –بمذاهبها لاسيما الكاثوليكية والبروتستانتية- لا توجد إحصائيات عنها لا رسمية أو عرفية.

6- ظاهرة التحول الديني للمسيحية من الإسلام تزايدت نسبيا وعلى نحو محدود في بعض الآراء على الرغم من عدم معرفة الأعداد. منذ ما قبل 25 يناير 2011. وذلك لأسباب عديدة يمكن رصد بعضها فيما يلى:

**

(1) القلق وعدم اليقين الديني لدى قلة قليلة جدًا من بعض الشباب المثقف الذي لم يجد استقرارًا عقائديا، وإيمانيا في إطار التقاليد الدينية الموروثة. ويطرح أسئلة، ولا يجد إجابات عليها في الخطابات الدينية التقليدية السائدة، أو داخل الأسرة، أو المسجد، أو جماعات الرفاق.

(2) البطالة، والرغبة من الهجرة إلى أوروبا والولايات المتحدة وكندا، وإستراليا ونيوزيلندا. وذلك من خلال التحول الديني إلى المسيحية. ومن ثم اللجوء إلى التحول الديني كجسر للهجرة الآمنة. وبعض هؤلاء استخدام ذلك منذ عقود للهجرة ثم عاد إلى الديانة الإسلامية بعد استقرار أوضاعع الاقتصادية، والتنقل من بلد أوروبي إلى آخر، وبعضهم انتزع معه أطفاله من أمهاتهم.

(3) التحول الديني من بعض الأشخاص بهدف المساعدة الاقتصادية. ثم السعي إلى الهجرة خارج البلاد.

(4) نظرًا للأسباب البرجماتية الاقتصادية، وحلم الهجرة في ظل القيود المفروضة على السفر والهجرة إلى أوروبا والولايات المتحدة –بعد أحداث 11 سبتمبر، والعمليات الإرهابية للقاعدة وداعش-. بدأت بعض الكنائس في التريث والتيقن من أن مدعي السعي إلى التحول الديني يستهدف التحول الحقيقي إلى الإيمان المسيحي، وليس بهدف العبور من خلال الكنيسة إلى خارج البلاد.

**

(5) لاشك أن عمليات العبور والتحول الديني تتم في سرية. وذلك على الرغم من أن الدستور المصري يقر بحرية التدين والاعتقاد في المادة رقم (64) التي تنص على أن “حرية الاعتقاد مطلقة”. وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، حق ينظمه القانون.

المادة (2) تنص على أن “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”.

المادة (3) تنص على أن “مبادئ شرائع المصريين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية”.

(6) يلاحظ أن مبدأ حرية الاعتقاد مطلقة عام. لكنه مقيد باعتراف المشروع الدستوري بالأديان السماوية الثلاث، الإسلام، المسيحية، واليهودية. أحال الدستور الحق في ممارسة الشعائر الدينية لأصحاب الأديان الثلاث وتنظيمها إلى القانون.

**

من هنا لا يعترف الدستور والقانون المصري بالأديان والعقائد الأخرى، التي تخرج عن نطاق الأديان السماوية الثلاث. من هنا لا يوجد اعتراف بالبابيين والبهائيين والقاديانيين.([1]) وهناك أحكام قضائية صادرة من قضاء مجلس الدولة المصري، بحظر نشاط البهائيين في مصر. وذلك منذ عديد العقود في القرن الماضي، وبعضهم عاد للظهور العلني النسبي خلال أحداث الانتفاضة الجماهيرية في 25 يناير 2011. ثم تراجعوا في ظل حكم الإخوان والسلفيين.

7- لاشك أن الضوابط الدستورية، والقانونية، تضع إطارًا وحدودًا لممارسة حرية الضمير والتدين والاعتقاد، وعلى التحول الديني من ديانة لأخرى، كالتحول من المسيحية إلى الإسلام. ثم العودة إلى الديانة المسيحية، ورغم صدور بعض الأحكام القضائية بإثبات العودة من الإسلام إلى المسيحية. إلا أن صدرت أحكام لاحقة بوقف هذا الإثبات في البطاقات الشخصية([2]).

8- أن التحول الديني لا يقتصر على العبور أو الانتقال من الديانة الإسلامية إلى المسيحية. وإنما من المسيحية للإسلام، وذلك لعديد من الأسباب وعلى رأسها مشكلات الطلاق أمام المحاكم الكنسية. نظرًا لحظر الكنيسة الأرثوذكسية الطلاق لعلة الزنا، ووضع قيود ثقيلة على الإجراءات، على نحو يدفع بعض الأزواج إلى تغيير الديانة.

هناك دوافع شخصية ضاغطة على بعض المواطنين المسيحيين ذكور وإناث تؤدى إلى التحول للإسلام، من أجل الزواج وتكوين أسرة، أو بعض القلق الديني الفردي، الذي قد يؤدى إلى اعتناق بعضهم للديانة الإسلامية.

**

9- يلاحظ أن القنوات الفضائية المفتوحة بلا حدود. وفي ظل الثورة الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والحريات التي لا حدود لها في المجال العام الافتراضي. أدت إلى السجالات الدينية، والنقدية على نحو أتاح الفرص أمام بعض الشباب، للتعرف على مقارنات الأديان، وتشكلاتها التاريخية من خلال نظمها اللاهوتية والفقهية والكلامية والفلسفية وشروحها وتأويلاتها. ومن ثم المقارنة بينها، وبين تدينها الموروث، وبعض هؤلاء الأفراد يتحول إلى بعض هذه الديانات السماوية، أو غيرها من الأديان الأخرى كالبوذية وغيرها.

10- تزايدت نسبيا –رغم قلة الأعداد- بعض أعداد الأفراد الشباب من الطبقات الوسطى – الوسطى، والوسطى – الصغيرة من الذين انتقلوا من التدين الموروث بالميلاد وداخل الانتماء الدينى الأسرى إلى عدم التدين، أو الإلحاد. وذلك كرد فعل على بعض أنماط الإرهاب والعنف الديني المادي واللفظي والرمزي أو لتقليدية الخطاب الديني المسيطر، أو قيود المؤسسة الدينية المسيحية وتقاليدها.

**

هذه الظاهرة الإلحادية، غير مرصود أعدادها، إلا أن بعض المؤشرات تشير إلى أنها تزايدت نسبيًا دون مبالغات مقصودة من بعضهم، وذلك لعديد الأسباب، ومنها:

أ- التشكيك من بعض رجال الدين الغلاة أو بعض الملاحدة وبعض الباحثين في التاريخ الإسلامي في بعض السرديات التأسيسية للأديان. وذلك على بعض المواقع الإلحادية. من خلال البحث في تاريخية الأديان، والمقارنات بين الأديان ما قبل السماوية، والسماوية.

هذا النمط من الدراسات التاريخية المقارنة، انتقل من مجال البحث التاريخي في الدراسات التاريخية المقارنة، الأكاديمية واللاهوتية المتخصصة إلى مجال الدعاية والجهر والخطاب الديني النقدي للأديان على مواقع التواصل الاجتماعي. من خلال التبسيط الشفاهي أو عبر خطاب التغريدات، والمنشورات posts من نصوص أو صور أو فيديو أو رابط.

ب- تزايد المواقع الإلحادية وشبكاتها العابرة للأوطان والأقاليم، وأصبحت على نحو كوني.

ج-  بعض من ظاهرة الجهر بالإلحاد، دعمتها الثورة الرقمية، وأشكال التضامن وآليات المناصرة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، بين الشبكات الإلحادية.

د- هناك ظاهرة الإلحاد الصامت –وفق تعبير آمال قرامى- داخل المجتمعات الإسلامية. وفي الأوساط الاجتماعية المتدينة –الإسلامية والمسيحية-، وهى لا تزال مستمرة. لأن بعض الملحدين لا يريدون أن يظهروا إلحادهم وعدم تدينهم، حتى لا يتعرضوا للأذى أو الاعتداء عليهم، أسريا، أو من جماعات الرفاق، أو الجيران، أو زملاء العمل أو الجمهور.

ه- هناك ما تسميه آمال قرامى الردة الصامتة، أو اللامبالاة الدينية، وتصفها بأنها أطرف صورة من صور الارتداد المعاصر ([3]).

و- تزايد اللاأدريين في بعض المجتمعات العربية ذات النظم الطائفية والمذهبية السياسية. وذلك كنتاج لانتشار احتقانات الطائفية الدينية والمذهبية كما في المثال اللبناني.

**

هذه الظواهر الجديدة تشير إلى ديناميات جديدة في الواقع الاجتماعي في مصر والمنطقة. تتصارع فيه بعض أنماط التدين الشعبية الموروثة، والسلطات الدينية الرسمية، وبعض الجماعات الإسلامية السياسية، والدولة والنظام والنخبة السياسية في الصراع على السلطة الرمزية. وتوظيفها في الضبط الاجتماعي والديني والسياسي والقانوني على حرية الضمير والتدين والاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية. وتغيرات مضادة نحو العبور والتحول الديني. أو إلى اللاتدين في شكله الإلحادي، أو الانتقال من ديانة لأخرى والعودة إليها مجددًا، أو اللاأدرية. من ناحية أخرى تساهم بعض الظواهر السابقة على تحريك ديناميات جديدة للعلمنة من أسفل.

خلاصة ما سبق أن لُب السؤال أن الأبعاد الفقهية/ اللاهوتية لحرية الضمير هي أداة من أدوات الصرع على السلطة الرمزية الدينية في الصراعات والتفاعلات السياسية والسلطوية بين أطراف متصارعة. من ثم هي صراع تأويلات دينية في الإسلام السني والشيعي، ذو أساس سياسي واجتماعي، يعاد إنتاجه وتفسيره من خلال التأويلات الوضعية الفقهية/ اللاهوتية.

المراجع 

[1] – أنظر آمال قرامى، قضية الردة في الفكر الاسلامى الحديث، المرجع السابق ذكره من ص58 إلى 61.

[2] – أنظر في ذلك، محمد طه عليوة العلاقة بين الدين والدولة، دراسة مقارنة بين النظام الدستورى المصرى والنظم الفرنسية والتركية والإيرانية، من 504 إلى 548 الناشر وقف نهوض لدراسات التنمية، الطبعة الأولى 2018.

[3] – آمال قرامى، قضية الردة في الفكر الاسلامي الحديث، المرجع سابق الذكر ص وص55، 56.

اقرأ أيضا

الأسئلة الحرجة في ملف التكفير وحرية الدين والاعتقاد (2/4)

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى