الآبار الكبريتية في الداخلة.. مقومات طبيعية تدعم السياحة العلاجية في الوادي الجديد
تتصدر الآبار الكبريتية في محافظة الوادي الجديد، وتحديدا مركز الداخلة، مشهد الجذب السياحي، حيث تحولت هذه العيون المتدفقة من باطن الأرض إلى مقاصد عالمية يقصدها الزوار من مختلف الجنسيات طلباً للاستشفاء والراحة. وتقع مدينة «موط» بمركز الداخلة في قلب الصحراء الغربية المصرية، وهي من أقدم المناطق المأهولة بالسكان، وتجمع بين سحر التاريخ والمقومات الطبيعية التي تجعل من السياحة العلاجية في الوادي الجديد ركيزة اقتصادية واعدة للدولة المصرية.
إرث تاريخي واهتمام منذ عهد السادات
يقول عمر ضاحي، مدير عام هيئة تنشيط السياحة سابقا بمركز الداخلة، متحدثا عن القيمة العلمية والسياحية لهذه العيون والآبار الكبريتية: “الآبار الكبريتية في الداخلة تمثل ثروة قومية لم تُستغل بعد بالكامل؛ فهذه المياه تخرج من أعماق تتجاوز أحياناً الألف متر، وتصل درجات حرارتها إلى مستويات مثالية تساعد في تنشيط الدورة الدموية وعلاج الالتهابات المفصلية”.
ويضيف: “يعتمد الاستشفاء الطبيعي في الداخلة على مزيج من العناصر المعدنية النادرة والكبريت، مما يضع هذه الآبار في منافسة مباشرة مع أرقى المنتجعات العلاجية في أوروبا ودول حوض البحر المتوسط، ونحن نسعى دائماً لتعزيز صورة الواحات كوجهة آمنة ومميزة للسائح الباحث عن العلاج والسكينة.
ويوضح ضاحي أن شهرة هذه المنطقة تعود إلى تاريخ طويل من الاهتمام الرسمي؛ إذ يذكر التاريخ زيارة الرئيس الراحل محمد أنور السادات لمركز الداخلة عقب توليه رئاسة الجمهورية في سبعينيات القرن الماضي. وكانت تلك الزيارة بمثابة إعلان رسمي عن أهمية الوادي الجديد كمنطقة تنموية وسياحية بكر، حيث وجه السادات حينها بضرورة استغلال العيون الكبريتية في الداخلة وتطوير البنية التحتية المحيطة بها، إيماناً منه بأن مستقبل مصر المشرق يمتد عبر صحرائها الشاسعة وتعمير واحاتها.

ذكريات عميقة مع الآبار الكبريتية
على الصعيد المحلي، يرتبط أهالي الواحات بهذه الآبار ارتباطاً وجدانياً وطبياً توارثته الأجيال، وعبر عطية محمد، أحد سكان مدينة «موط» بمركز الداخلة، عن هذا الارتباط بلهجته المصرية البسيطة قائلاً: “المية دي بركة من عند ربنا، إحنا هنا في الداخلة كبرنا وإحنا بنشوف الناس بتجيلنا من كل حتة عشان ينزلوا البير. المية الكبريتية دي بتخلي الجسم يفك، والواحد لو عنده وجع في عضمه أو روماتيزم بيحس براحة كبيرة بمجرد ما ينزل المية الدافية دي. إحنا بنعتبر الآبار الكبريتية في الداخلة صيدلية ربانية، والناس هنا طيبين وبيستقبلوا الضيوف بكل حب، والحمد لله السياحة بدأت ترجع والبلد بتتحرك”.
اقرأ أيضا: ثبات الطقس وتغير التعبير.. رحلة شم النسيم في الفن المصري
مقومات طبيعية تضاهي المنتجعات العالمية
يؤكد «العم أحمد»، حارس أحد الآبار الرئيسية، أن الإقبال لا يتوقف طوال العام، لكنه يبلغ ذروته مع دخول فصل الشتاء، مشيراً إلى أن المنطقة تستقبل آلاف الزوار سنوياً، حيث قال: «أنا هنا بشوف العالم كله، بيجي لنا سياح من ألمانيا وفرنسا وروسيا، وفيه عرب بيجوا مخصوص عشان يقضوا أسبوع أو أكتر في جو الواحات».
وتابع: «السياحة في الوادي الجديد تنتعش جداً في الشتاء، لأن الجو هنا بيبقى دافي وجميل، والناس بتهرب من برد أوروبا عشان تستمتع بشمسنا وبالمية الكبريتية اللي بتطلع من باطن الأرض الزوار بيحبوا ييجوا بالليل تحت النجوم، ينزلوا المية ويستمتعوا بالهدوء اللي مش هيلاقوه في أي مكان تاني».
اقرأ أيضا: تحت ظلال النخيل.. أهالي «الواحات» يحتفلون بشم النسيم

منظور الطب الاستشفائي
ويشير الدكتور محمود صبري، استشاري الطب الطبيعي والتأهيل وعلاج الروماتيزم، أن الآبار الكبريتية في الداخلة تمثل مورداً طبيعياً فريداً من منظور الطب الاستشفائي، إذ تتميز باحتوائها على نسب متوازنة من عنصر الكبريت وثاني أكسيد الكربون، بالإضافة إلى أملاح معدنية مهمة مثل الكالسيوم. ومن الناحية الطبية، تساعد هذه العناصر عند امتصاصها عبر الجلد في تقليل حدة الالتهابات المزمنة، خاصة لدى المصابين بالروماتيزم والتهاب المفاصل، كما تعمل الحرارة الطبيعية للمياه على تحسين الدورة الدموية وتحقيق استرخاء عضلي عميق.
ويختتم صبري حديثه: “الاستشفاء الطبيعي في الداخلة لا يقتصر على الجانب العضلي فحسب، بل يمتد ليشمل الأمراض الجلدية، إذ تُشير الدراسات السريرية وتجارب المترددين إلى أن الاستحمام في هذه المياه يساهم في تحسين بعض الحالات مثل الصدفية وأنواع من الإكزيما المزمنة، نظراً للخصائص المطهرة والمجددة للخلايا التي يوفرها الكبريت الطبيعي”.
وشدد على أن هذا النمط من العلاج يعد علاجا تكميليا فعالا يدعم البروتوكولات الطبية التقليدية ولا يستبدلها، ويفضل دائما استشارة الطبيب لتحديد مدة وعدد مرات التعرض للمياه حسب الحالة الصحية لكل فرد.
اقرأ أيضا: الثقافة تصل إلى الحدود.. مشروع «المواجهة والتجوال» يختتم جولته السادسة بالوادي الجديد



