أنور فتح الباب يكتب: عمارة السويس التاريخية

عانت السويس مثلها مثل مدن القناة الأخرى من تأثر طابعها المعماري بالدمار لظروف العدوان الإسرائيلي بعد عام 1967. ولعل السويس كانت الأكثر من بين مدن القناة تأثرا بذلك نتيجة لعمليات القصف اليومي الذي كانت تتعرض له المدينة طوال فترة العدوان والفترة التي شملت حرب الاستنزاف حتى وقف إطلاق النار في مارس 1970. ثم ما تلاها أثناء العمليات العسكرية أثناء حرب أكتوبر 1973 وفترة حصار السويس حتى يناير 1974.

ونستطيع أن نحدد بعض أنماط العمارة في السويس التي اندثرت نتيجة للحرب وبعض التي يخشي اندثارها. فمما اندثر كنائس بورتوفيق نتيجة للقصف العسكري الإسرائيلي ومنها كنيسة هيلانه الكاثوليكية التي أنشأت سنة 1878.(1) والنصب التذكاري للجنود البنغال عند مدخل الخليج على ساحل بورتوفيق الذي أنشأ سنة 1926 تخليدا للجنود البنغال ضحايا الحرب العالمية  الأولى.(2)

وهناك ما تم التخلص منه لقلة الوعي التاريخي والأثري مثلة طابية السويس التي أنشأت في عصر محمد علي مع الحروب الوهابية وظهور البحرية المصرية. وكان مكانها منطقة النبي موسى قرب ميناء السويس القديم في منطقة “الخور” بحي السلمانية وتمت إزالتها في الثمانينات رغم قيمتها الأثرية والتاريخية. وقد صيغت حولها الأساطير الشعبية وانعكس ذلك في الأعمال الأدبية لاثنين من أدباء السويس هما “محمد الراوي” في روايته “تل القُلزُم” و “علي المنجي” في روايته “كنوز
الملك سوس”.

نصب شهداء معركة كفر أحمد عبده.. تصوير: هشام سمير وموقع ذاكرة السويس
نصب شهداء معركة كفر أحمد عبده.. تصوير: هشام سمير وموقع ذاكرة السويس
**

كذلك أُزيل نصب شهداء معركة كفر أحمد عبده التي دارت في السويس ضد الاحتلال البريطاني ضمن حركة الكفاح المسلح في منطقة القناة ضد الاحتلال (ديسمبر 1951/ يناير 1952). وقد كتب عنها مؤرخ الحركة القومية في مصر عبدالرحمن الرافعي في كتابه (مقدمات ثور 23 يوليه 1952). وقد أنشأ النصب في عام 1954 في ساحة محافظة السويس وكان عبارة عن مسلة مصرية ضمن شكل دائري موضوع على أطرافه لوحات رخامية بأسماء شهداء المعركة. وتم الاستعاضة عنه بتمثال يرمز للمعركة في مدخل منطقة أحمد عبده لكن الجماعات المتطرفة دمرته أواسط التسعينات باعتباره صنما.

وهناك ما هو مهدد بالاندثار لعدم تسجيله كأثر تاريخي ككنيسة ودير الروم المجاورة لمسجد سيدي عبدالله الغريب. ومنزل بطرس كساب، الذي كان جده متولي جامع إيراد جمارك السويس زمن محمد علي على الكورنيش القديم. كذلك لم يسجل مبنى (المساجيري مارتيم) كأثر تاريخي كذلك مبنى الإسعاف بميدان الأربعين.

وقد رصدت لجنة مشكلة من وزارة الثقافة ومحافظة السويس عام 1999 مجموعة من القصور والمنازل الأثرية بمنطقة كورنيش السويس القديم وحى السويس. وحددت اللجنة 9 قصور وكنائس ومنازل هم: “قصر محمد علي وبيت المساجيرى وقصر شحاتة سليم وفيلات هيئة قناة السويس ومبنى قسم شرطة الأربعين والكنيسة الإنجيلية والكنيسة اللاتينية والكنيسة الإيطالية وفيلات شركة النصر للبترول”.

نمط البناء البغدادلي السويسي.. تصوير: هشام سمير وموقع ذاكرة السويس
نمط البناء البغدادلي السويسي.. تصوير: هشام سمير وموقع ذاكرة السويس
البيوت البغدادلي السويسي

“أنا شفت تجار الخشب بينهشوا لحم السويس

بيمصمصوا ضلوع السويس أم “الفراندات” الخشب

و مشيت في “زرب”*

شفت اللي هادماه كل حرب:

حرب اليهود

وحرب الخشب.

وكرهت تجار الخشب

وكرهت إيد ممدودة على بيت في السويس

ومشيت لوحدي في الرديم.

عبدالرحمن الأبنودي: وجوه على الشط

**

كان للسويس طابعها المعماري المتميز المستمد من بيئتها الجغرافية والطبيعية وهو البناء بالأخشاب والدبش، وهو المعروف بالنمط “البغدادلي”. ويصف علي مبارك هذا النمط من البناء على النحو التالي: كانوا يتخذونها من “تقفيصات” من الخشب مملوء وسطها بـ”المونة” والأحجار الصغيرة الملتقطة من شواطئ البحر.(3)

وكان هذا النمط هو السائد في حي الغريب والسلمانية ومنطقة الخور والأربعين، باعتبارها الأحياء الشعبية الأساسية. ولا تزال بعض منها متواجدة في هذه المناطق وخاصة في حي الأربعين ومنطقة كفر كامل. وإن كان هذا النمط اندثر تماما ولم يعد من يقوم على بنائه من عمال البناء والصنايعية ولم يتم توارثه كفن معماري.

دُمرت معظم بيوت أحياء السويس من هذا النمط وخاصة حي زرب، الذي كان هدفا مركزا  للقصف أثناء العدوان الإسرائيلي. وبعد حرب أكتوبر 1973 أصبح هذا الحي هدفا للمقاولين وتجار الخشب الذين سعوا للحصول على هذه الأخشاب لاستخدامها في مشروعات التعمير والبناء الخراساني.

وقد سجل الشاعر عبدالرحمن الأبنودي الذي كان يتردد ويقيم فترات في السويس بعين الشاعر هذه المتغيرات. ضمن قصيدة “تجار الخشب” في ديوان “وجوه علي الشط”، الذي سجلت أحوال السويس أثناء حرب الاستنزاف وما بعدها.

قصر محمد علي

بالنسبة لقصر محمد علي يذكر علي باشا مبارك نقلا عن الجبرتي أن محمد علي أرسل لبندر السويس في شهر صفر سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف هجرية أخشابا وأدوات عمارة وبلاطا وحديدا وصناعا بقصد عمارة قصر لخصوصه إذا نزل بها. وقد بني هذا القصر ولعله هذا المجعول اليوم خانا للبهار.(4)

وكان الهدف من بناء القصر أن يتابع محمد علي حرب الوهابيين في الجزيرة العربية، والتي أمتدت من 1811 /1820. ولعل التاريخ الذي ذكره الجبرتي يحدد تاريخ بناء القصر بعام 1817/1818 الموافق لعام 1233هـ. وهو ما يناقض ما يشاع أن بناء القصر تم 1811م، واستخدم القصر بعد ذلك في رحلات حج الأسرة العلوية وتابع منه إبراهيم باشا التوسعات في السودان.

وتبلغ مساحته نحو 4 آلاف متر مربع، وتم الانتهاء منه عام 1832 لتستغرق مدة تشييده نحو 20 عامًا. كما استُخدم القصر كمقر لضيافة واستقبال ملوك الدول والأمراء الذين حضروا حفل افتتاح قناة السويس في نوفمبر عام 1869. وكان آخر من نزل بالقصر من الأسرة الحاكمة، الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1904. وعقب ذلك لم يدخله أي من أفراد أسرة محمد علي.

**

استغل جزء منه في عام 1868م لإدارة ثاني أقدم محكمة شرعية في مصر. ثم تحول إلى ديوان عام للمحافظة حتى قيام ثورة 1952م. وعندما صدر قرار جمهوري بتحويل ممتلكات العائلة المالكة إلى الدولة، أصبح رسميا مقرا لديوان عام محافظة السويس عام 1958م. وتم تقسيم القصر إلى ثلاثة أقسام، الدور الأرضي لإدارة المرور، وقسم السويس والمحكمة الشرعية. أما الدور العلوى، فتم تخصيصه لقسم السويس والمباحث الجنائية في عام 1962م، وفي الثمانينات أضيف له السجل المدني.

وبذلت جهود كثيرة من منتصف التسعينات لتسجيله كأثر تاريخي فصدر قرار هيئة الآثار بتسجيل قبة القصر كأثر تاريخي عام 1990. ولكن مع تصاعد الدعوات للحفاظ عليه أصدرت وزارة الآثار القرار 526 سنة 2016 (5) الذي نص علي اعتبار قصر محمد علي بالسويس في عداد الآثار الإسلامية والقبطية. وأرفق بالقرار مذكرة توضيحية من خمس صفحات تشرح جغرافية القصر ومكوناته وأقسامه. ومنذ صدور القرار لم تتخذ أي خطوات عملية لإنجاز محدد لتطوير القصر أو تجديده واكتفت الوزارة بوضع لافتة أثر تاريخي على المبنى.

المساجيري مارتيم

كان القرن الـ19 هو قرن التنافس والزحف الاستعماري الأوروبي نحو إفريقيا وآسيا خاصة الهند. وكان الطريق للهند هو محور الصراع بين إنجلترا وفرنسا عبر مصر كطريق للركاب والبريد. حيث كان الطريق من إنجلترا لـ”كلكتا” يستغرق 113 يوما.(6)

رفض محمد علي فكرة مد خط سكة حديدي بين الإسكندرية والسويس خشية تكرار تجربة شركة الهند الشرقية البريطانية في الهند في مجال الاستعمار. في عام 1823 استطاع الضابط الإنجليزي “توماس واجهورن” الحصول على امتياز من محمد علي بإنشاء خط منتظم للملاحة البحرية بين إنجلترا والهند عبر مصر. وكانت الرحلة من إنجلترا لبومباي تستغرق 40 يوما. كذلك دخلت شركة p.o الإنجليزية مجال الملاحة البحرية سنة 1837م.(7)

وفي عام 1861 حصلت شركة “المساجيري أمبريال” التي تغير اسمها عام 1870 إلى “المساجيري مارتيم” على امتياز نقل البريد إلى الهندوستان والكوشين والهند التابعة لهولندا والصين. وفي عام 1862 وضعت الحكومة المصرية تحت تصرف الحكومة الفرنسية العقار الخاص بالشركة المجيدية العثمانية. وهي شركة بحرية عثمانية للنقل بالبواخر بين السويس وجدة.(8) مع قرب افتتاح قناة السويس توقفت شركة المساجيري عن العمل.(9)

المساجيري مارتيم بالسويس.. تصوير: هشام سمير وموقع ذاكرة السويس
المساجيري مارتيم بالسويس.. تصوير: هشام سمير وموقع ذاكرة السويس
**

يتكون البيت من دورين الدور الأول عبارة عن مخزن لمخلفات السفن، والدور الثاني يتكون من غرف ذات مساحة واسعة وكان يوجد بأعلى المبنى الرئيسي عدد اثنين برج خشبي وصاري لا يزال موجود حتى الآن، والذى يحتوى على تليسكوب كبير من خلاله يتم معرفة جنسية السفينة العابرة. حيث يدق رنين جرس المبنى لتنبيه العاملين لوصول السفينة ويرتفع علم دولة السفينة بأعلى الصاري الموضوع فوق المبنى. ثم يتحرك عمال الشركة في لنشات وصنادل بحرية لنقل البضائع المُحملة على السفينة ونقلها إلى القاهرة عن طريق السكك الحديدية والتي كانت تتواجد في ذلك الوقت في شارع بورسعيد.

وقد تعرض البيت لمحاولات للاستيلاء عليه من قبل بعض المحامين في عام 2016. وقد تدخل محافظ السويس وقتها اللواء أحمد الهياتمي بزيارة البيت بصحبة وكيل مديرية الآثار لبحث تسجيل البيت كأثر تاريخي. وتقع ولاية البيت ضمن عهدة أحد الأفراد الموكلين من الشركة الفرنسية بإدارته.

قصر شحاتة سليم

قصر شحاتة سليم من القصور العريقة بالمحافظة، وتم بناء القصر عام 1928 ومن قام ببنائه شحاتة سليم. وهو كان في ذلك الوقت رجل أعمال يعمل فيما يخص أعمال النقل البحري ومن عائلة عريقة وهو من مواليد عام 1895.

وكان يقوم بأعمال خيرية كثيرة من بينها قيامة ببناء مستشفى الصدر بالمحافظة، وبسبب الأعمال الخيرية قام الملك فاروق بمنح شحاتة سليم لقب باشا. وتم تنفيذ بناء القصر علي يد اثنان من المهندسين الإيطاليين ومكون من طابقين ويضم العديد من التماثيل والنقوش والزخارف والواجهة ذات الطراز الفني الرفيع. القصر مشغول حاليا كمقر نقابة العاملين بالبترول ونادي رياضي ولم يسجل كأثر.

اقرأ أيضا| «قصر الأمير يوسف»: تجاهل دعوات الإبقاء عليه ومزاد علني لبيعه الإثنين

مبنى الإسعاف وقسم شرطة الأربعين

كان مبنى الإسعاف الذي يتوسط ميدان الأربعين ملكا لجمعية المواساة الخيرية  في مطلع القرن العشرين. ثم آل إلى هيئة الإسعاف المصرية التي شغلت الطابق الأسفل منه وشغل حزب الأحرار الطابق العلوي حتى مطلع الألفية. وتكمن قيمته في نمط بناءه الفريد والنقوش التي تشغل واجهته.

أما قسم شرطة الأربعين بميدان الأربعين فقد كان مقرا لملجأ الملك فؤاد منذ إنشاءه سنة 1930. وتم تحويله بعد قيام ثورة 23 يوليه لقسم شرطة ويتميز بطابع معماري فريد يخلط ما بين الحداثة ونمط البغدادلي الخشبي القديم.

بيت بطرس كساب

يقع بيت بطرس كساب في نهاية  شارع الكورنيش القديم على بعد أمتار من  مبنى المساجيري مارتيم في مواجهة منطقة الخور. وقد كان جد بطرس كساب الأكبر المسؤول عن جمع الضرائب من خط الملاحة بين مصر والهند زمن محمد علي، وفقا لمذكرات نوبار باشا ومكون من طابقين وله طابعه الأثري المميز ولايزال يحمل اللوحة التذكارية باسم بطرس كساب. وقد آل بعد ثورة يوليو لأحد شركات القناة للتوكيلات الملاحية كمخزن. ويحاول بعض الأفراد إثبات ملكيته للاستيلاء عليه.

بالنسبة لفيلات هيئة قناة السويس وكنيسة الراعي الصالح (الكاثوليكية) والكنيسة الإنجيلية والكنيسة اللاتينية والكنيسة الإيطالية وفيلات شركة النصر للبترول. فإن ما يحميها كونها ملك جهات ترعاها. بالنسبة كنيسة الراعي الصالح فقد أنشأت عام 1866 على يد الإرسالية الفرنسية مواكبة لتواجد شركة قناة السويس وملحق بها مدرسة بنفس الاسم.

كذلك هناك الكنيسة الإنجيلية المواجهة لمقر “عمر أفندي” بالسويس تتبع الطائفة الإنجيلية وأنشأت سنة 1942 وهي مكونة من ثلاثة طوابق وتتميز بطابعها المعماري المتميز.

كذلك تتواجد كل من الكنيسة اليونانية  التي أنشأت سنة  1917 وتجاورها المدرسة اليونانية ومبنى القنصلية اليونانية والكنيسة اللاتينية والكنيسة الإيطالية. وقد تعرضت الأخيرتان وكنيسة الراعي الصالح لعمليات تخريبية إبان ثور 30 يونيه 2013 وقامت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بإعادة تأهيلها.

بيت بطرس كساب.. تصوير: هشام سمير وموقع ذاكرة السويس
بيت بطرس كساب.. تصوير: هشام سمير وموقع ذاكرة السويس
**

مما سبق نرى مدى حاجة الآثار المعمارية للسويس للعناية وتسجيل الغالبية العظمي منها كآثار وإعادة تأهيلها حفاظا على تراث المدينة المعماري وذاكرة المدينة وخدمة للتاريخ الوطني لتكون ماثلة دائما أمام الأجيال القادمة تصنع وعيا بقيمة التاريخ العريق للسويس.

                                                                                   أنور فتح الباب عبدالعال، باحث في التاريخ والثقافة المصرية.

المراجع

(1) كلودين بياتون وآخرون: السويس تاريخ وعمارة. المعهد الفرنسي للآثار الشرقية، 2011م. صـ113.

(2) المرجع السابق: صـ99.

(3) علي مبارك: الخطط التوفيقية الجديدة ج10 بدون تاريخ نشر، صـ71.

* زرب حي ضمن مدينة السويس تميز بالطابع البغدادلي للعمارة وسمي بذلك نسبه لمؤسسه اليوناني.

(4) علي مبارك: المرجع السابق صـ128.

(5) الجريدة الرسمية: العدد 122 بتاريخ 28 مايو 2017.

(6) بلادنا السويس: كتاب جماعي صادر عن محافظة السويس. د.ت صـ92.

(7) المرجع السابق: صـ98.

(8) كلودين بياتون وآخرون: المرجع السابق صـ58.

(9) المرجع السابق: صـ59.

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى