“أمنحتب وتي”.. حب كاد أن يعصف بعرش مصر

العطور والزيوت تقدم إليك لتشمها
أكليل من أزهار اللوتس لمحبوبتك
الجالسة إلى جانبك والساكنة في قلبك..

تمثال الملكة تي بمتحق اللوفر
تمثال الملكة تي بمتحف اللوفر

المقطع السابق من أحب الأغاني إلى قلب الملك أمنحتب الثالث، والتي كانت تُغنى في قصره المعروف بـ”بيت الأفراح”، مؤكدة الحب الكبير الذي حمله قلب أمنحتب لزوجته ومحبوبته الملكة تي، بحسب ما جاء في كتاب “طيبة في عصر أمنحتب الثالث” لكاتبته اليزابيث رايفشتال، ذلك الحب الذي كاد أن يعصف بعرش مصر، ودفع أمنحتب لتحدي التقاليد الملكية وينتصر لقلبه، فيتزوج من عامة الشعب فتاة كان جُل حلمها أن ترى الملك لا أن تجلس إلى جواره على عرش مصر.

تحتمس الرابع
تحتمس الرابع

كرامة أمي

وبحسب ما أورد الدكتور سليم حسن في كتابه موسوعة مصر القديمة في جزئها الخامس، فقد توافق عدد من باحثي التاريخ المصري القديم على أن أم الملك أمنحتب الثالث لم تكن مصرية، بل كانت من دولة ميثان “العراق حاليا”، والتي عرفت باسم الملكة موتومويا، وكانت من الزوجات الثانويات للملك تحتمس الرابع والد أمنحتب.

ولفت حسن إلى أنه طبقا للتقاليد الملكية، عوملت الزوجة الملكية للملك كمحظية شرعية، لإسعاد وامتاع الملك وإنجاب الأولاد، والذين كان ينظر لهم كأبناء غير شرعيين للملك، وكان وريث الحكم هو فقط ابن الملك من زوجته الرئيسية أو الملكة والتي كان يسمح لها بان تجلس جنبا إلى جنب مع الملك.

ويوضح حسن أن أمنحتب في طفولته عز عليه كثيرا تهميش والدته  وأراد أن يثأر لها، مشيرا إلى أن أمنحتب حين عصف بالتقاليد وتزوج من تي الفتاة البسيطة، كأنه كان ينتصر لكرامة والدته المستباحة باسم التقاليد الملكية وسياسة الحكم.

معبد الاقص ويكيبيديا
معبد الأقصر – ويكيبيديا

الدين هو الحل

ويلفت المرشد السياحي محمد سليمان، إلى أنه بعد وفاة الملك تحتمس الرابع والد أمنحتب الثالث، كان على أمنحتب أن يتزوج أخته غير الشقيقة ابنة الملكة نفرتاري، ليكتسب شرعية الحكم، ولكنه فضّل أن يتزوج من حب حياته تي، والتي كانت ابنة كاهن من أحميم يعتقد أن أصوله تعود إلى دولة أجنبية، ويرجح بعض باحثي التاريخ أن أصوله تعود إلى دولة ميثان.

ويتابع سليمان، أوقع ذلك الزواج القصر الملكي في ورطة سياسية لم تحدث من قبل، وهي أن الملك الحالي يفتقد جميع شروط شرعية الحكم، فأمه ليست من العائلة المالكة وكذلك زوجته، وكان على أمنحتب أن يختار بين أمرين إما أن يقصي حبيبته “تي” لتصبح مجرد محظية، ويتزوج من إحدى أخواته الأميرات أو أن يتنازل عن العرش، لكن أمنحتب استّن سنة جديدة من سنن اكتساب شرعية الحكم، حيث ادعى في معبده الشهير المعروف بمعبد الأقصر، وفي الحجرة المجاورة لقدس الأقداس والتي يسميها علماء الآثار غرفة الولادة، أنه جاء من نسل الإله أمون رع، مثلما ادعت جدته حتشبسوت من قبل، ولكن حتشبسوت تعد حالة فريدة، لكونها إمرأة حكمت في هيئة الملوك، وعوملت بعد رحيلها بكثير من المحو والتجاهل، إذ تم إسقاط اسمها من معظم القوائم الملكية.

وبحسب تفاصيل الولادة المقدسة لأمنحوتب، زار الإله أمون رع موت أمويا في مخدعها، في صورة زوجها تحتمس، وعرفها كما يعرف الزوج زوجته لتنجب له الابن الإلهي أمنحتب.

ويوضح سليمان، أن أمنحتب ببعض من الضغط واستخدام النفوذ المادي مع كهنة أمون، استطاع أن يمرر ذلك الإجراء، ليثبت أنه ملك إلهي ذو شرعية مطلقة لاعتلاء عرش مصر، ولم يعد بحاجة إلى نبذ حب حياته “تي”، كما يستطيع أن يحتفظ بعرش أجداده.

قناع يويا بالمتحف المصري
قناع يويا بالمتحف المصري

طموح أُم

ويلفت سليم حسن إلى أن بذور العلاقة بين أمنحتب وتي ترجع إلى أيام حكم والده تحتمس الرابع، مشيرا إلى رأي العالم الأثري هنري بريستد والذي يعتقد أن تي كانت فتاة من عامة الشعب من قرى أخميم، وكان والدها يرتبط بقرابة مع الزوجة الثانوية لوالد أمنحتب “موت مويا”، ذلك ساعد والديها على ارتقاء مناصب هامة في القصر الملكي، حيث كان والدها “يويا” كاهنا للإله مين، بينما كانت والدتها “تويا” كبيرة الوصيفات في القصر الملكي، وطبقا لاعتقاد برستد، فقد ساعدت الأم على إحداث التقارب بين الحبيبين، الذي تحول إلى حب جارف انتهى بالزواج وهو ما حوّل البنت الريفية إلى ملكة مصر.

تمثال الملكة تيبالمتحف المصري
تمثال الملكة تيب المتحف المصري

سحر

وبحسب ما أوردت رايفشتال، فإنه من الصعب تحديد الصفات التي جعلت أمنحتب يحب تي، إلا أنه من الواضح أن تي كانت فتاة ذات إرادة قوية وتتمتع بالمكر والدهاء، فاستطاعت يسحرها أن تأسر قلب وروح أمنحتب، كما استطاعت في حياته وبعد موته أن تلعب دورا سياسيا تمثل في حياة أمنحتب بمشاركته في الحكم وإصدار القرارات وظهورها معه في الاحتفالات والمناسبات الرسمية، وبعد موته استطاعت أن تكون الناصح والمشير لابنها الوحيد أخناتون، كما أجرت عددا من المكاتبات الدبلوماسية مع جيران مصر في الشام  والعراق، بوصفها الملكة الأم والتي أسهمت في تحسين العلاقات بين مصر وجيرانها في ذلك الوقت.

احد جعارين زواج امنحتب وتي بمتحف بروكلين
أحد جعارين زواج أمنحتب وتي بمتحف بروكلين

زواج أسطوري

بالغ أمنحتب في تحديه للتقاليد الملكية، حين استهل أولى ساعات جلوسه على العرش بالإعلان الرسمي عن زواجه من محبوبته تي، ليرسل أمنحتب إلى موظفيه وعماله في مقاطعات مصر لتقام الاحتفالات بالزواج الملكي المقدس، طبقا لرايفشتال.

وأضافت رايفشتال، أن أمنحتب وثق لمناسبة زواجه بعدد من تمائم الجعارين المقدسة والتي عرفت بجعارين الزواج، أشهرها ذلك الجعران بمعبد الكرنك بجوار البحيرة المقدسة، والتي كانت بمثابة تميمة لجلب الحظ السعيد لذلك الزواج، واستمرار الحب والوئام بين الزوجين، مشيرة إلى أن أحد تلك الجعارين كتب عليها: “يعيش الملك أمنحتب، معطي الحياة والزوجة الملكية تي العائشة، واسم والدها يويا واسم والدتها تويا، وهي زوجة ملك عظيم”.

ويؤكد سليم حسن أن أمنحتب لم يكتف بالجعارين، بل شيد قصرا منيفا بجوار معبد مدينة هابو بالبر الغربي بالأقصر، وأهداه لزوجته تي، كما أمر بشق بحيرة صناعية لتعبير عن حبه لزوجته، وقد أنجزت البحيرة في زمن قياسي لم يتعد الشهر، ما يؤكد ولع أمنحتب بحبيبته تي ورغبته في إسعادها، كما صورت معه تي في معظم تماثيله، وأشهرها تمثالي ممنون بالبر الغربي بالأقصر.

تمثالا ممنون بالبر الغربي بالاقصر
تمثالا ممنون بالبر الغربي بالاقصر

مقتضيات السياسة

ويلمح حسن إلى أن أمنحتب خلال سنوات حكمه “1391-1353″، اضطر أن يرتبط بزيجات دبلوماسية مع أميرات أجنبيات، مثل الأميرة كيلو خيبا ابنة ملك العراق وأميرة نهرين بالشام، ولكن ظلت تي هي المفضلة لديه حتى أنه في الجعران الذي وثق فيه زواجه من أميرة العراق، دون اسم زوجته تي، وأشار إليها بـ”محبوبته”.

ويضيف حسن، أن “تي” بفضل عقلها الحكيم، استطاعت أن تستوعب الأمر وتتعامل معه بعقلية الملكة لا الحبيبة، وحافظت على علاقات طيبة مع ضرتيها الأجنبيتين.

وفاة

وبحسب حسن، فقد توفيت تي في “1338 ق.م” في السنة الثانية عشر من حكم ابنها أخناتون عن عمر ناهز الخمسين، ولم تدفن بجوار زوجها في وادي الملكات، بسبب ما عرف في عصر أخناتون بـ”الثورة الدينية”، ودعوى أخناتون إلى دين جديد وهو عبادة “أتون”، ونبذ عبادة آمون رع، ما أدخله في صراع مع الكهنة، ليقيم عاصمة دينية جديدة عرفت باسم “أخت أتون” بتل العمارنة، لتدفن تي بعيد عن حبيبها وزوجها أمنحتب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

1- طيبة في عصر أمنحتب الثالث (ب يدي اف) – ايزابيث رايفشتال – ترجمة: إبراهيم رزق – مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر – بيروت 1967.

2- موسوعة مصر القديمة (ب يدي أف )– سليم حسن – الهيئة العامة للكتاب 2000 – من ص 64 إلى ص 74.

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر