“أمل دنقل وعبلة الرويني” القصة غير الوردية التي تشبهك

على مقهي ريش بشارع طلعت حرب وسط القاهرة. وفي أكتوبر 1975، وقعت قصة أمل دنقل وعبلة الرويني. والبداية من شابة يافعة في مقتبل عمرها رغم رشاقة خطواتها يتسم وجهها ذو الملامح البريئة بالجدية تسأل عبلة الرويني، الصحفية الحديثة حينها، بخجل عن شاعر صعيدي عرف بتمرده وعنفوانه حتى في نصوصه الشعرية، ليتم لقائها به في دار الأدباء بالقصر العيني في 8 مساءً بعد تركها رسالة له تقول “يبدو أن العثور عليك مستحيل يسعدني الاتصال بي في جريدة الأخبار ويشرفني أكثر حضورك”.

ولم تتوقع الصحفية استجابته غير المعهودة باتصاله بها في اليوم التالي، وهو الشاعر سليط اللسان، المعارض الشرس كما قال لها أحد زملائها في قسم السياسة، لكنها وأصرت على لقائه وإجراء حديث معه رغم تحذيرها باحتمالية رفض نشر حواره لكونه يمكن تصديره عربيًا ولكن ليس داخليًا حينها، لتقبل هي متحدية مبدأ الحجر على عقل شاعر من وجهه نظرها.

حكاية أمل دنقل وعبلة الرويني

أمل دنقل وعبلة الرويني قصة حب هي الأقرب لكل علاقة حب إنسانية حتى وإن لم تكن بين رجل وأمرأة، فهي ليست بالنموذجية رغم احتفاظها بالتمايز، ربما ستجد فيها نفسك أو قصة صادفتك، ولكي تكون الشريك والحكم إليك قصتهم عزيزي القارئ.

أمل دنقل الشاعر الجنوبي من محافظة قنا، موهبته كانت أكبر من إنتاجه وعمره الذي لم يتجاوز الأربعينيات، وكان رفيقًا وصديق عمر للشاعر الكبير الراحل عبدالرحمن الأبنودي وابن نفس المحافظة.

وعبلة الرويني المحررة في صحيفة أخبار اليوم حينها، وحبيبته التى أصبحت زوجته فيما بعد، وأطلقت عليه الجنوبي، ملهمها وصديقها وغذاء روحها، مؤلفة كتابًا عبارة عن سيرة ذاتية عنه وعن علاقتها به بنفس الاسم، والذي هو مصدر أغلب معلوماتنا القادمة في هذا الموضوع.

البداية :

في 11 ديسمبر من نفس العام. اختار فندق كوزمو بوليتان لإجراء الحوار، الذي نشر بعدها على مضد. منوهًا أعلى الصفحة “حتى لا يظن شاعر أن الملحق الأدبي يقف له بالمرصاد..”.

وتقول الرويني صرنا أصدقاء، وفي اللقاء الـ4 بدون أدني مقدمات قال لي:

يجب أن تعلمي أنك لن تكوني أكثر من صديقة!

“حرك هذا التحذير الاستفزازي انفعالاتي فبدت عارية”. تقول الصحفية عن وصف اللقاء الأول متذكرة ردها عليه:

أولاً أنا لست صديقتك، كما أنني لا أسمح لأحد بتحديد مشاعري متى تتزايد أو تتناقص. إنني وحدي صاحبة القرار في علاقاتي بأصدقائي.

ميلاد عاطفة جديدة:

تقول الرويني في كتابها “الجنوبي”، سقطت حسابات أمل – وهو الذي لا تسقط حساباته عادة- أمام رد فعلي المفاجئ فاضطر إلى التراجع، أو إلى إظهار بعض من مشاعره، عندما راح يفكر في صوت مسموع “أنني رجل بدأت رحلة معاناتي من سن العاشرة. وفي السابعة عشرة اغتربت عن كل ما يمنح الطمأنينة حتى الآن. وأعتقد أن السهم الوحيد الذي يمكن أن يصيبني في مقتل سوف يجئ من امرأة. لذلك اتسمت علاقاتي دائمًا بالرفض، كنت أستغرق في الحب، لكنني في صميمي كنت هاربًا من التمسك بها”.

“تحدث يومها كثيرًا عن المنزل، وحياة الاستقرار التى أعيشها، وعن رغباتي البرجوازية في الشعور بالقلق. وتحدث عن حياته التي لم تعرف استقرارًا أبدًا. كما تحدث عن أشياء عديدة بشكل غير مترابط، وأنا أشعر بفرحة غامرة.. فرحة ميلاد عاطفة جديدة” تقول الصحفية.

علاقتهما :

لم تكن علاقة حب أمل وعبلة مثالية ووردية كما يخيل، إنما كانت مليئة بالقلق تارة والمشاكسة. كانت تقلق الرويني من الرجل الذي كان يتنبأ بالموت مبكرًا دائمًا.

تقول الرويني كانت مشاعرنا رغم صدقها القوي في صدام مستمر، ولا أدري لماذا كنت دائمة الاستفزاز له بتشويه سمعة قلبي، برسم صورة جافة له، ولعل ذلك كان في ظني نوعًا من منازلته بنفس أسلوب تعامله معي، فهو لا يستطيع الإفصاح عن مشاعره والتعبير عنها، بل يخفيها وكأنها منطقة ضعفة الوحيدة، لا يجبذ عبارات الغزل والإطراء، أقصى ما يعبر عنه:

-وجهك رومانتيكي

– تقصد ساذج!

يغضب بالفعل من سوء ظني ويقول:

-أقصد أنه جميل!

يلقي بالكلمات جانبًا، ويطالبك بالفهم والإحساس بعمق مشاعره الداخلية حتى وإن لم يفصح عنها، يطالبك دائمًا بأن يسكن قلبك عميقًا حتى تستطيع أن ترى جيدًا قلبه.

البحث عن شكل مناسب للحب

تؤكد الرويني أنهما ظلا فترة طويلة يبحثان عن شكل مريح للحب بينهما، مضيفة “لم نجده في أغلب الأحيان، فما نكاد نلتقي إلا ونتشاجر، وكأن ما بيننا غضب وعناد ساطع كنا أشبه بالمتنافرين دائمًان نتكسر في الطرقات الممدودة أبعاد مختلفة، فتجمعنا الاشلاء استمررنا معاندين، اللاقانون هو الوحيد الذي يحكم قلبينا، فعندما نقرر لا نفعل شيئًا، وعندما تتساوى الأشياء، نحطم كل شئ ونتعامل بمنطق المفاجأة”.

أغضب منه كثيرًا ويفاجئني إنفعالي –أحمق- فأترك أمل في منتصف الطريق، ولكني سرعان ما أعود للبحث عنه حاملة معي كلمات بشكل الانفجار:

كلما قرأت أشعارك أحس أن مكانك الطبيعي في صفوف الانقلابيين ولهذا فأنت شاعر جيد وعاشق شرير، نواظب على قهوة الغضب الصباحية “كل ما بيننا عناد ساطع”، جلس اليوم أمامي في المترو شاب جميل الملامح، نظر إلي وابتسم، أحسست أن ابتسامته تغتالك من الخلف فتجهمت مدافعة عنك، أتمنى أن تكون جواري في المترو الغد لأبتسم لكل الملامح الجميلة، وأغتالك وحدي.

عبلة الرويني تتحدث عن أمل دنقل

فكرت فيما حدث، فوجدت أن كل شئ يمكن أن يلتقي في هذا العالم إلا اثنان: أنا وأنت لا لأننا غير متناسبين- كما تقول_ بل لأننا مختلفان. يفرح أمل بمجيئي وأواصل الكتابة إليه:

الغفران ليس من طبيعتي والنسيان أيضًا ليس من طبيعتي ولكنك حين تدخل كالسيف في دوائر حلمي أتحول إلى مساحات للحب والغفران.

يرد أمل بخطاب فحواه:

في المثلث الشمسي الممتد من الشباك إلى زاوية سريري أراك متمددة في الذرات الذهبية والزرقاء والبنفسجية التي لا تستقر على حال، تمامًا كنفسيتك ومع ذلك ابتسم لك وأقول صباح الخير أيتها المجنونة الصغيرة التي تريد أن تلف الدنيا على أصبعها، والتي تمشي فوق الماء وتريد ألا تبتل قدماها الفضيتان!

حسنًا! لا يهم فلقد عودت نفسي على أن أعاملك طبقًا لإحساسي وليس طبقًا لانفعالاتك، أحبك ولا أريد أن أفقدك أيتها الفتاة البرية التي تكسو وجهها بمسحة الهدوء المنزلي الأليف..

وفي أحيان أخرى كان يرسل لها أمل  «الآنسة عبلة الرويني، صفحة المسرح بجريدة الأخبار: أرجو إرسال 35 جرام ثقة، التفاهم مطلوب، مع إلغاء التفكير السابق. أخطرونا تلغرافيًّا. أمل»..

الزواج:

“رغم الاختلاف بين عالمي وعالم أمل في صورتهما الظاهرة، إلا أننا تزوجنا، وأحدثت فكرة الزواج في حياة أمل كلها، وهو الذي ظل يفاخر طويلاً بعداوته لمؤسسة الزواج” تقول الرويني.

واجه أمل والرويني صعوبات اقتصادية لتأسسيس منزل مستقر ولكنهم مرورًا بكثير من التقلبات استطاعا التغلب عليها.

جدير بالذكر أن دنقل أصيب بمرض السرطان في أواخر 4 سنوات من عمره، وظل مقيمًا في غرفة 8 بمعهد الأورام لمدة 3 سنوات حتى توفي في 21 مايو 1983 عن عمر يناهز 43 عامًا، وأصدرت الرويني كتابها عنه “الجنوبي” بعدها بعامين.

اقرأ أيضا

هل كان قيس هو “المجنون”؟

في عيد الحب.. 6 مطاعم مميزة لقضاء ليلة رومانسية بالإسكندرية

صور| 8 شواطىء في الإسكندرية شهدت “قصص الحب” السينمائية الشهيرة

من الأدب الفرعوني| ما هو مرض “الحب” الذي تغنى به الشاعر المصري القديم؟

كيف كان الحب في زمن الجوابات؟

“عزيزة ويونس” من فصول السيرة الهلالية.. هكذا انتصر الحب على السياسة

“أحمد ومنى” و”اذكريني”.. أشهر الاقتباسات الشعبية من أفلام الحب المصرية

فيديو| “عزيزة ويونس” قصة حب من قلب سيرة بني هلال

فيديو| “عزيزة ويونس” ج2 قصة حب من قلب سيرة بني هلال

“انظري إلي سيدتي فمن عينيك أستمد قوتي” أول قصة حب سجلها التاريخ المصري القديم

شهر الحب.. قصة حب في بطن الجبل

ما لا تعرفه عن حسن ونعيمة

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر