أصل و فصل

ألعاب المولد في "أبو العباس" وتاريخ فن "الأراجوز"

 قبة سيدنا الولي ديه نوروها.. محلى البيارق والناس بيزوروها” الليلة كبيرة رائعة لقاء المبدعين صلاح جاهين بكلماته، وسيد مكاوي بألحانه.
منذ عرضها و هي تحظى بنجاح جماهيري كبير حتى يومنا هذا فهي أشهر تراث العرائس الشعبي في مصر وعبرت عن شكل المولد الشعبي المصري و ألعابه الشعبية و مسرح الأراجوز الذي لا يتخيل مولد بدونه و بدون “لاعب النار” أو “شجيع السيما”.
إضافة إلى زحام المولد و الباعة الجائلين، مثل بائع الترمس كل هذا جسدتها “الليلة الكبيرة” من واقع و ميراث شعبي عن المولد وألعابه، الذي يوجد عادة بجوار أضرحة الأولياء.
ألعاب مولد أبو العباس
بجوار ساحة المساجد بجوار المرسي أبو العباس في منطقة بحري عالم كامل تجده عند دخولك لمنطقة ألعاب المولد ألوان زاهية مبهرة صباحا، تبرزها دهانات ألوان الألعاب المبهجة، تشعرك أنك دخلت محيط فضائي مبهر.


في هذه الأجواء كل شيء متوفر لسعادة، فرحة الطفل البلونات- عروض الأراجوز، وحتى استمرار تصنيع هذه الألعاب منذ أكثر من 50 عامًا هو أمر يدعو للابتسام.
مما تذكره إحدى الدوريات العلمية عن “الثقافة الشعبية” أن مصر عام 1957 اهتمت بإنشاء أرشيف قومي للألعاب الشعبية المصرية، فأنشأت  مركز الفنون الشعبية بالمجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، الذي اهتم بجمع هذه الألعاب ودون كل ما له علاقة بها، في محاولة للحفاظ على هوية الألعاب الشعبية المصرية.
ورغم معاناة أصحاب هذه المهنة إلا أنهم يعشقونها باعتبارها “أكل عيش”، وهو يقف بجوار “المرجيحة” المسؤول عنها يقول منعم مبتسما “ألعاب المولد ديه من زمان هنا بس ما كانش اللعب كتير زي دلوقتي، بدأت بعيلتين أبو زر والنجرو هما اللي كانوا بيملكوا الألعاب بعد كده كل واحد مش لاقي شغل يجيب لعبة يسترزق منها لحد مابقت المنطقة فيها لعب كتير و كمان بيبقى في الأراجوز وقت الأعياد.
ويضيف “إحنا شغلنا بس في موسم الأعياد و رمضان بعد كدا شكرا السنة كلها، وحتى الناس ما بقتش تيجي زي زمان عشان الظروف الاقتصادية، يعني اللي بنطلعه في المواسم ديه نشيل منها قرشين عشان نلاقي ناكلو”.
وعن الأراجوز يذكر كتاب “المسرح والتغيير الاجتماعي في مصر” تأليف دكتور كمال حسين  أنها كانت إحدى مظاهر الفرجة الشعبية قبل دخول المسرح بشكله المعاصر مصر، فهناك من يرجع نشاط هذه المهنة في العصر العثماني، وكان يطلق عليه “قارقوز”.
بينما يذكر نبيل بهجت، مدرس الدراما والنقد في كلية آداب جامعة حلوان، مؤسس فرقة “ومضة ” في  كتابه ” الأراجوز المصري” الذي صدر عن المجلس الأعلى للثقافة، ويعد الكتاب الأول من نوعه الذي يتناول مسرح الأراجوز الشعبي، أن فن الأراجوز هو فن مصري شعبي صميم، فقد أشار الرحالة التركي أولياجيلي في كتابه “سياحتنامة مصر” إلى أن فنانين في القرن  العاشر الهجري كان يلاطفون المرضى بدمى خشبية حتى تتحسن حالتهم.
وعرضت صفحة قرأت لك على “فيسبوك” مقتطفات من كتاب نبيل بهجت “الأراجوز المصري”، تذكر: يرى البعض أن كلمة “أراجوز” هي تحريف لكلمة “قراقوش” في إشارة لعلاقة هذا الفن بشخصية بهاء الدين قراقوش، الذي كان وزيرا في عهد صلاح الدين الأيوبي، وكان مثال للظلم، لكن يختلف بهجت مع هذا المفهوم “لأنه لا نستطيع أن نعتبر شخصية الأراجوز معادلا موضوعيا لشخصية قراقوش، إذ  يتصف أراجوز بالحيلة والذكاء على عكس ما أراد الوجدان الشعبي لقراقوش، ونحن لا نستطيع تحديد متى بدأ فن الأراجوز إلا أنه كأي فن شعبي أخذ ينمو ويتطور ويضاف إليه من شخص إلى آخر.
ويضيف: رغم انحسار هذا الفن في الآونة الأخيرة لقلّة عدد فنّانيه ولسطوة وسائل الإعلام الحديثة، إلاّ أن شهرته ما زالت كما هي، بل إن الكثيرين يستخدمون لفظة أراجوز للدلالة على معان مختلفة في معجم الحياة اليومية للمصريين”.
حصر نبيل  بهجت في كتابه نمر الأراجوز التي جمعها من سبعة فنانين هم: صلاح المصري- صابر شيكو- محمد كريمة- سيد الأسمر- سمير عبدالعظيم- حسن سلطان- عم صابر المصري، فلم تخرج عن النمر الآتية: “جواز بالنبوت” و”الأراجوز ومراته” و”الست اللي بتولد” و”الأراجوز ومراته السودا” و”حرامي الشنطة” و”البربري” و”الشحات” و”فنان بالعافية” و”الحانوتي النصاب” و”كلب السرايا” و”حمودة وأخوه” و”جر شكل” و”الفتوة الغلباوي” و”الأراجوز في سوق العصر” و”أراجوز في الجيش” و”حرب اليهود” و”حرب بورسعيد” و”العفريت”.
و في حوار سابق له في وسائل الإعلام حول أصل الأراجوز قال إن العلماء اختلفوا في تحديد بداية ظهوره فمنهم من أرجعه إلى عصر الفراعنة، بمعنى صانع الحايات ومنهم من فسرها على أساس أنها تحريف لكلمة “قراقوش”، إلا أن هناك خطأ شائع بربط الكلمة بلفظ قراقوز فهذا المصطلح هو الذي أصله تركى ويعنى فن خيال الضل.
والأراجوز  فن تستخدم فيه الدمى “العرائس”، وهو يشبه صندوق الدنيا وكانت تصنع من الخشب وحاليا من البلاستيك  وأشهر ما يميز ملابسة اللون الأحمر “والطرطور” على الرأس، ويلاحظ أن هذا النمط عرف فيما بعد في شخصية ابن البلد و البطل الشعبي، وكان أحيانا يستخدم في النقد السياسي المستتر حتى لا يتعرض لبطش الحاكم، إضافة إلى استخدامه للتعبير عن مشاكل اجتماعية.
كما كانت مظاهر الفرجة الشعبية تستخدم للتوعية ونقد السلوكيات، ونتذكر بعض الأفلام السينمائي التي انتجت في القرن العشرين، التي كانت تصور هذا الفن خاصة في أفلام إسماعيل يس وأنور وجدي، حتى الراحل عمرو الشريف الذي قام ببطولة فيلم”الأراجوز”.
أما أشهر أراجوز في مصر فهو الفنان الراحل شكوكو، الذي اشتهر بمسرح الأراجوز، وحاول أن ينقل هذا الفن الشعبي في القرن الماضي لجمهور عريض من مشاهدينه ومحبيه.
سر صوت الأراجوز
عن طريق قطعة معدنية تصنع من النحاس تسمى “الأمانه”،  تأتي من فرنسا مفرغ ما بينها لإخراج الهواء، توضع في مؤخرة اللسان من الداخل، هنا تكمن خطورتها، ومهارة المتحكم فيها، لأن أي خطأ يمكن أن يكلف مؤدي الأراجوز حياته، وهذا سر الصوت المميز للأراجوز، إضافة إلى قدرات لاعب دمية الأراجوز على التلون صوتي و سرعة بديهته، حتى بدون وجود”الأمانه”، بحسب الفنان عادل ماضي، أحد مؤدي الأراجوز في مصر.
و من أشهر الذين أدوا شخصية الأراجوز في مصر المخرج وصانع العرائس ناصر عبد التواب، الذي صدر له كتاب بعنوان “الأراجوز المصري والعرائس”، وهو يحاول دائما الحفاظ على هذا الفن عن طريق إجراء العديد من الورش لتعليم الأطفال والكبار كيفية صناعة العرائس وكيفية تحريكها واستخدمها
وهو يمسك جهاز لحام الحديد و يرتدي نظارته يقول أحد صانعي الألعاب في منطقة المرسي أبو العباس “أنا بحب أصمم وأصنع ألعاب من وأنا عندي 21 سنة شغال في المهنة ديه، أنا عندي 33 سنة وألعاب المولد هنا من زمان أوي”.
ويشير بسعادة وفخر إلى إحدى الألعاب التي انتهى من تصنيعها، معبرًا عن أهمية تطوير الألعاب وابتكار الجديد لجذب الأطفال “الدنيا بتطور واحنا لازم نطور معاها”.
أم مؤمن سيدة تجلس بجوار لعبة السلسلة بجوار حفيدها ياسين، الذي يلهو متنقلا بين الألعاب، تقول إن هذه اللعبة تعتبر أقدم ألعاب المولد، التي كانت تعمل في الماضي يدويا، لكنها الآن تتطورت وأصبحت آلية.
وأضافت أنها تعمل في هذه المهنة منذ أكثر من 28 عامًا، وأن والد زوجها هو من أوائل صانعي الألعاب في هذه المنطقة.
 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى