أحلام محمد حسنين هيكل.. وقد صارت كوابيس

 في 14 يوليو 1934 صدر العدد الأول من مجلة آخر ساعة. فى قلب الصيف ولدت المجلة، لذا اعتادت أن تخصص فى كل عام عددا تذكاريا، احتفالا بتأسيسها، ويتضمن قراءات صيفية خفيفة. فى يوليو 1954 احتفلت المجلة بعشرين صيفا على التأسيس، فضلا عن الاحتفال بالذكرى الثانية للثورة، وقتها كان رئيس التحرير محمد حسنين هيكل الذي تولى رئاسة التحرير قبل الثورة بشهر واحد وكان من أصغر أعضاء هيئة تحرير المجلة سنا.

ذكريات

في هذا العدد كتب علي أمين مقالا عن ذكرياته مع الصيف عام 1924 وكيف كان المهندس عثمان محرم يعلمه السباحة هو وشقيقه مصطفى وكيف نجى من الغرق بأعجوبة، وكتب مصطفى أمين عن ذكريات الماضي مع أزمة تأسيس آخر ساعة عام 1934 وكيف ولدت المجلة ومعها أولي أزماتها مع غلاف العدد الأول الذي رسمه صاروخان وتسبب في سجن محمد التابعي لأن الكاريكاتير كان به إسقاطا على حزب الشعب الذي يترأسه عبد الفتاح يحيى باشا وكان في نفس الوقت رئيسا للوزراء، وتحدث كامل الشناوي عن ذكرياته حينما صدر العدد الأول حيث ظل ساهرا حتى الصباح وذهب إلى محطة بولاق ليشتري المجلة التى قرأها  من أول حرف إلى آخر حرف وهو يسير في الشارع قاصدا منزله حتى كاد يصطدم بأحد الأشخاص وإذ بهذا الشخص يقرأ أيضا آخر ساعة.

محمد حسنين هيكل
محمد حسنين هيكل

وعندما جاء الدور على رئيس التحرير الشاب محمد حسنين هيكل ليكتب لم يجد عنده ما يكتبه عن الماضي من عشرين عاما فقد كان وقتها صبيا لم يتجاوز عمره إحدى عشرة عاما، فاختار أن يكتب عن المستقبل وأن يذهب بخياله وآماله وأمانيه إلى عشرين عاما قادمة ليصل إلى يوليو 1974، قبل أن يبدأ هيكل بكتابة تنبؤاته وأحلامه لعام 1974 قال: أنا لا أستطيع أن أجاري مصطفى أمين بذاكرته المصبوبة من الفولاذ، هذه الذاكرة التي لا تنسى حتى لون ربطة العنق التي كان يرتديها إسماعيل صدقي باشا وهو داخل إلى كلوب محمد علي صباح يوم 24 يوليو سنة 1934، وإذن فأنا لا أستطيع أن أنافس فيها -الرحلات إلى الماضي -شاعرية كامل الشناوي التي تجعل القارئ يشعر أن صفحة المقال قد استحالت قاربا من قوارب الشمس يعبر فيه الفضاء ويطوف به آفاق النجوم.. وإذن فرحلة إلى غير الماضي رحلة إلى المستقبل.. إلى بعد عشرين سنة.

 

مفارقات

من المفارقات أن هيكل اختار سنة 1974 ليتحدث عنها متفائلا على جميع الأصعدة فبدأ قائلا: “ستكون الأحداث غير الأحداث والظروف غير الظروف”.. كان مفارقا أن العام الذي اختاره هيكل من السنوات الفارقة في تاريخ مصر السياسي وتاريخ هيكل الوظيفي والمهني أيضا، فهي السنة التي شهدت خروج هيكل من الأهرام بعد صدام في وجهات النظر مع أنور السادات وهي السنة التي بدأت تشهد تغيرا جذريا في السياسة المصرية وبعدها انفرط العقد، فالوحدة العربية التي كان يحلم بها هيكل في مقاله المستقبلي بدأت في التفتت والانشقاق والقدس التي كان يحلم أن تكون مقرا لاجتماع الرؤساء العرب بعد تحرير فلسطين لم تحرر بل تكرس الاحتلال بها خصيصا بعد خروج مصر من دائرة المقاومة العربية وانغلاقها داخل حدودها تلك الحدود التي تنبأ هيكل في مقاله أنها ستختفي عام 1974 وعبد الحكيم عامر الذي تنبأ له هيكل بمنصب قائد جيش الاتحاد العربي كان قد توفى في مشهد درامي مثير بعد أن كان أحد أسباب نكسة لم يتوقعها هيكل في أسوأ أحلامه وعبد اللطيف البغدادي الذي تنبأ هيكل له بمنصب المسئول عن المواصلات في الاتحاد العربي كان قد اعتزل الحياة السياسية بعد سلسلة من الخلافات، اللافت أن هيكل لم يذكرإسم جمال عبد الناصر في المقال وكأن لسان حاله يقول إنه من المسلم به أن يكون عبد الناصر هو رئيس الاتحاد العربي فلا مجال لتعريف ما هو معرف ولا خلاف عليه، ولم يكن يدري هيكل بطبيعة الحال أن عبد الناصر أيضا سيكون في عالم آخر. ربما الشيء الوحيد الذي نجح هيكل في تبنيه هو أن الأحداث ستكون غير الأحداث والظروف غير الظروف ولكنها أحداث وظروفا بعكس ما حلم بها هيكل. والآن إلى نص المقال:

 

المستقبل بعد 20 عاما

على أكثر من صفحة من هذا العدد نظرات إلى الماضي، عادت إليها القهقرى عشرين عاما كاملة نسترجع الظروف التي ولدت فيها آخر ساعة سنة 1934، ظروف السياسة في ذلك الوقت ورئيس الوزراء يومها عبد الفتاح يحيى باشا ورقته الأرستقراطية المشهورة ورقبته التي تفنن فيها صاروخان فأجراها بطول الطريق من لاظوغلي في القاهرة إلى بولكي في الإسكندرية وزجاجة الأسبرين التي أقسم وأقسمت معه لا يفترقان أبدا.

وظروف المجتمع في ذلك الوقت والدنيا تعيش في رخاء ما قبل الحرب العالمية التي بدأت بهجمات الباراشوت وانتهت بالقنبلة الذرية، ونجوم المجتمع وأقاصيصه ومغامراته،وكم زجاجة شمبانيا فتحها محمد سلطان في ليلة وكم جنيها دفعها محمد شعراوي في سهرة وكم خسر البارون إمبان في القمار في جلسة. وظروف الاقتصاد في ذلك الوقت وميزانية الدولة ثلاثون مليونا من الجنيهات يأخذ نصفها موظفو الدولة والباقي موزع بين بعض مشروعات الري والسكك الحديدية وسفر الوزراء ورؤساء الوزارات إلي فيشي وافيان لمداوة أمراض الكلى والبروستاتا! وظروف العالم المحيط بمصر في ذلك الوقت وهو يبدو أمامنا قارة بعيدة لا تعنينا منه المشاكل ولا تشغلنا الهموم.. فرنسا لم يكن يهمنا منها إلا الحي اللاتيني ومونمارتر وأحمد الصاوي محمد.

وإنجلترا لم يكن نرى منها إلا مندوبا ساميا يسكن في قصر الدوبارة ويتآمر على حياة الوزارات التي تؤلف في الناحية الثانية من شارع القصر العيني في لاظوغلي.. فإذا تعمقنا أكثر من ذلك فحكايات عن غراميات أمير ويلز وكان شبابه وكانت مغامراته ورحلاته قرة عين العالم تلك الأيام.وحتى البلاد العربية المحيطة بنا لم نكن ندري من أمرها إلا قليلا.

العراق لم يكن كثير يعلمون عنه إلا أمير شابا من أمرائه اسمه عبد الإله يتعلم في الإسكندرية ويوشك أن يقع في غرام فتاة مصرية من أسرة كريمة ويتقدم لخطبتها.

وفلسطين… لم تكن إلا رحلة قصيرة سريعة للتمتع بجو القدس ومرح فندقها المشهور الذي هدمته المصائب والقنابل وهو فندق الملك داود.

والأردن.. لم تكن إلا شيخا غريبا يزور مصر كل عام ولا يشعر به أحد إلا حين تنشر إحدى الصحف المصورة رسما له وتكتب : الأمير الشهم الأريحي عبد الله أمير أمارة شرق الأردن ولم يكن يبدو يومها في نظر القارئ المصري فارق بينها وبين أمارة لجح أو سلطنة المحمرة.

ظروف تبدو كلها الآن كأنها ذكريات عصر رومانتيكي بعدت عليه الأيام، ولقد أحسست وأنا أكتب هذه السطور عن تلك الظروف كأنما أنا عدت أقلب مخلفات غرام قديم، بقايا زهرة في ديوان شعر!! وبقايا تذكرتي سفر إلى ضاحية قريبة لا أذكر ماذا فعلنا فيها؟ وخطاب ناقص تتشنج فيه اللوعة ولا أذكر وأنا أتأمله اليوم ما الذي لوعني فيه، ولماذا لم أكمل كتابته ولم أبعث به؟ بقايا.. بقايا.. بقايا شباب.

بقايا ذكرت بعضها ومرت تفاصيله الحلوة في خيالي كأنها أريج عطر قديم.

وبقايا نسيها واستعضت هي الأخرى علي ولم تسلم إلى ذاكرتي مفاتيحها..

ولكن هذه البقايا جميعا.. التي ذكرتها والتي نسيتها كانت دقات من قلبي!

أيام مضت.

ولكن صفحات هذا العدد من آخر ساعة مليئة بالرحلات إلى الماضي وإلى الأيام الحلوة قبل عشرين سنة.

وأنا لا أستطيع أن أجاري فيها مصطفى أمين بذاكرته المصبوبة من الفولاذ، هذه الذاكرة التي لا تنسى حتى لون ربطة العنق التي كان يرتديها إسماعيل صدقي باشا وهو داخل إلى كلوب محمد علي صباح يوم 24 يوليو سنة 1934، وإذن فأنا لا أستطيع أن أنافس فيها -الرحلات إلى الماضي- شاعرية كامل الشناوي التي تجعل القارئ يشعر أن صفحة المقال قد استحالت قاربا من قوارب الشمس يعبر فيه الفضاء ويطوف به آفاق النجوم..
وإذن فرحلة إلى غير الماضي رحلة إلى المستقبل.. إلى بعد عشرين سنة!
بعد عشرون سنة! ستكون الأحداث غير الأحداث والظروف غير الظروف! سوف يبدو الذي نعيش فيه اليوم.. مشكلة القنال.. زيادة الإنتاج.. مشروعات الإصلاح.. كأنه ذكريات عهد رومانتيكي بعدت عنه الأيام.. ستكون أشياء كثيرة قد تغيرت في العالم. حدود وعواصم ورجال وتيارات وقوى وأوضاع.
ستختفي الحدود التي تمزق الكيان العربي الآن كأنها جروح غائرة وتصبح المنطقة كلها كتلة واحدة. وسيكون شهر يوليو سنة 1974 شهرا حافلا.
سيجتمع البرلمان العربي الكبير في القدس ليحتفل بذكرى تحرير فلسطين.. ذكرى مرور عشر سنوات على انهيار مؤامرة كان يراد بها اقتطاع جزء من الوطن العربي وفصله عنه تحت إسم إسرائيل.. وستوضع أعلام الفرق المنتصرة حول شعلة ويتولى حراستها قرقول شرف من جنود قوات الإتحاد العربي ويؤدي له التحية القائد العام لجيش الإتحاد الماريشال عبدالحكيم عامر.تنشر اللجنة المشتركة للإشراف على الطاقة الذرية في الإتحاد العربي تقريرها السنوي من مقرها في دمشق ويطلب فيه من الإتحاد زيادة الإعتمادات المخصصة لأبحاثها بمقدار ألف مليون جنيه وتقرر أنها جميعا سوف تصرف في منشآت ذرية للإنتاج المدني.
ينظر مجلس رؤساء الوزرات المحلية للإتحاد العربي شكوى من الكويت وبعض إمارات الخليج الفارسي تطلب إعانتها على تصريف بترولها الذي لم يعد الإتحاد العربي في حاجة إليه بسبب استعمال القوة الذرية في الوقود.
يعلن عبداللطيف البغدادي المسئول عن المواصلات في الإتحاد إتمام الطريق البري بين القاهرة إلى رأس الرجاء الصالح كما يعلن الشروع في إنشاء خط حديدي يعمل بالطاقة الذرية على نفس الخط.
تقام في بغداد حفلة لتكريم وزير مالية الإتحاد باعتباره من مواليدها لأنه قدم للإتحاد العربي أقوى ميزانية في تاريخه فقد بلغت عشرة آلاف بليون من الجنيهات.
ينتهي العمل في اكبر محطة للإتصال بالكواكب وتبدأ فيها قرب عالية في غار تجارب للإعداد لرحلات إلى القمر وإلى المريخ.
تحصل مديرية قنا على الجائزة الأولى لخدمة المستشفيات الكاملة بين كل مديريات الإتحاد العربي وتحصل مديرية كركوك على الجائزة الأولى لدقة الموصلات وتحصل عمان على الجائزة الأولى لنظافة العوصم.
تحتفل القاهرة بذكرى ثورة يوليو 1952 ويحضر الإحتفال ممثلون من كل عواصم الإتحاد العربي وتتبادل بلدية القاهرة الهدايا مع بلدية بغداد. فتهديها تمثالا للملك رمسيس الثاني وتتلقى بوابة أثرية من عهد هارون الرشيد.
تعلن لجنة الإشراف على موارد المياه في الإتحاد ومقرها بغداد أنها فرغت من إقامة مجموعات من الخزانات والسدود حول مراكز مساقط الأمطار في جنوب وادي النيل وانتهت من إضافة أكثر من خمسين مليون فدان للزراعة في السودان وكذلك انتهت من إضافة 15 مليون فدان أخرى في منطقة الجزيرة الى مساحة الأرض الزراعية في سوريا والعراق.
قامت إحدى أعضاء البرلمان العربي الكبير وشكت من أن حياة نساء الإتحاد قد أصبحت جحيما فإن الرجال فيه لا حديث لهم سوى الخزانات ومساقط المياه ومصادر الوقود ووسائل المواصلات وأن السهرات أصبحت ثقيلة الظل وأنها واثقة أن عددا كبيرا من السيدات يفكر جديا في الهجرة.
….
وبعد
إن الذكريات هى التي تحملنا إلى رحلة الماضي
أما رحلة المستقبل فليس لها إلا أجنحة الخيال والأماني
وللخيال جموح
وللأماني آفاق ليست لها حدود!

محمد حسنين هيكل

 

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى