أصل و فصل

آثارنا الأصيلة والأصلية

ايه هو الأثر؟ “أصله وفصله”

الأثر من تأثير وجمعها أثار هو كل وأي شيء، شخص، مكان، زمان، حدث أثر فيك وأثرت فيه نتيجة لتفاعلكم. التفاعل ده ممكن يكون لغوي، فكري، ثقافي، عاطفي، حسي أو جسدي.

الآثار بالتعريف والمفهوم الواسع ده هي اللي بتشكل مفاهيمنا وثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا وذكرياتنا اللي بتحدد هويتنا وشخصيتنا كأفراد أو مجتمع. هويتنا هنا هي أصلنا وفصلنا. والأصل هو الجذور العائلية والاجتماعية والحسب والنسب أما الفصل فهو اللغة والتعبير.

الهرم مثلا مش بس مبنى تاريخي هو مفهوم المصري القديم عن الموت والدفن نتيجة لتفاعل الأنسان المصري مع الأثار المادية والمعنوية اللي حواليه واللي ترجمها في شكل ومفهوم الهرم. بكده الهرم أثر من تأثير مادي ومعنوي زيه زي القلة. القلة هي أثر مادي كونها نتيجة لتفاعل وتأثر المصري بالبيئة المناخية والعضوية والمادية اللي حواليه وأثر معنوي بيرمز للريف والصعيد المصري.

علي نفس السياق حبل الغسيل المصري أثر مادي ومعنوي. استخدام الحبال في نشر الغسيل بيعبر عن تفاعلنا مع مناخ وأدوات بيئتنا وفي نفس الوقت بيعبر عن موروثنا الثقافي. ترتيب نوع الغسيل على الحبال بيتم وفقا لكود ثقافي متفق عليه. الملابس النسائية الداخلية والخارجية بتتداري في الحبال الخلفية. أما الملابس الداخلية الرجالية بتتصدر المشهد في الحبال الامامية المواجهة للشارع للدلاله على أن للبيت “راجل”. من الزمالك لبولاق ترتيب الغسيل على الحبال هو نقطة التقاء طبقية واجتماعية وثقافية زيها زي فانوس رمضان أو النيش بتجمع المصريين على اختلافاتهم وبتنسج شخصية مصر.

منشر الغسيل وترتيبه الأثري.. تصوير: ندي ثاقب بتصرف
منشر الغسيل وترتيبه الأثري.. تصوير: ندي ثاقب بتصرف
ليه أثار مش آثار؟ “من فات قديمه تاه”

الآثار هي البقايا المادية والعضوية بمختلف أشكالها أنواعها واستخداماتها. الفرق بين الأثار والآثار مش بس لغوي لكن وجودي. الآثار وجودها مادي، أما الأثار من التأثير وجودها مادي ومعنوي وفكري.

أثار شخصيتنا المصرية الفردية والجمعية تراكمية بتتكون من تراكم وترتيب طبقات ماضينا القريب والبعيد من خلال تفاعلنا السابق والحالي مع الناس والأزمنة في شوارعنا وحوارينا ومحافظاتنا وأقاليمنا. الأثار دي بتعيش بينا ومن خلالنا وارتباطها بينا وارتباطنا بها بيضمن استمراريتها ووجودها المادي والفكري والمعنوي.

أثارنا هي ميراثنا وبصمتنا الفريدة وبوصلتنا اللي بتوجهنا لأصلنا وفصلنا وتمنعنا عن التوهان الفردي أو المجتمعي.

تصور المصور أحمدنبيل لاستمرارية الماضي مع الحاضر بتصرف
تصور المصور أحمدنبيل لاستمرارية الماضي مع الحاضر بتصرف
مين يحدد؟ “البيت بيت ابونا”

اعتمدنا علي مصطلح ومفهوم آثار أو تراث بدل من أثار في تحديد الهوية والشخصية المصرية لغي تعددنا الثقافي وتفردنا الوجداني. الهدم العشوائي لأثارنا المعمارية من الماضي القريب في الإسكندرية مثال صارخ على خطورة اعتمادنا على كلمة آثر كاصطلاح ومفهوم قانوني عن ماضينا وتأثيره.

وده نتيجة لتطبيقنا لتعريفات ومفاهيم علوم الآثار والتراث الحديثة بدون تحليل أو اختبار توافقها مع طبقات تاريخنا المتعددة ونسيجنا الثقافي والاجتماعي اللي بيتغير باختلاف الزمان والمكان والأحداث.

تجارب واحتياجات كل فرد وعيلة وشارع وحارة وحي ومحافظة وإقليم هي بس اللي تقدر تحدد إيه هي الأثار اللي شكلت شخصيتها المصرية. زي مثلا كلمة “لا مؤاخذة”. في بورسعيد “لا مؤاخذة” هو ساندوتش السبيط، أما في القاهرة هي للتعبير عن معاني سلبية او أمور تخجل من ذكرها. أهل كل بيت، حي، منطقة، محافظة هم أصحاب الحق الأصيل في تحديد أثارهم وتأثيرهم.

ازاي نحافظ على أثرنا المصري؟ “على الاصل دور”

أكدت المادة 49 و50 من الدستور المصري لسنة 2014 على مسئولية الدولة اتجاه الحفاظ على الآثار المصرية القديمة والقبطية والإسلامية والتراث المصري المادي والمعنوي. وعددت المواد الدستورية وسائل الحماية بالترميم والصيانة والاسترداد والتنظيم والإشراف بموجب القانون.

حماية الدولة بتعتمد على التعريف القانوني لما هو آثري وتراثي. التعريفات دي بتحددها علوم الآثار والتراث الحديثة للأسف المنهج العلمي اللي بيتم عن طريقه تحديد معنى وقيمة الآثار في مصر والشرق الأوسط وإفريقيا هو غربي بالأساس. وده لكون علوم الآثار والتراث الحديثة نتاج المشروع الاستعماري الغربي بالمنطقة.

وده بيثبت حاجتنا لمراجعة نوع الهمزه اللي بنستخدمها في كلمة (اثار) للتعبير عن أصلنا وفصلنا. لأن استخدامنا الشائع لكلمة آثار علميا وقانونيا أدي إلى ومستمر في هدر وهدم طبقات أصلنا وفصلنا المتعدد.

تعبيرنا الشعبي “على الأصل دور” بيقدم الحل. بحثنا المستمر عن أصولنا الشخصية والعائلية والمجتمعية المادية والمعنوية والفكرية وتوثيقها بالحكي من جيل لجيل كفيل بتخزينها في ذاكرتنا الفردية والجمعية. الحكي في حد ذاته أثر مصري متوارث من سنوحي لأبوزيد الهلالي. ميزة الحكي أنه بيوثق الشخص والمكان والزمان والحدث وبينقل تعبيرات ومشاعر الراوي وذاكرته الفوتوغرافية. توارث الحكاية وتطور أحداثها ومحيطها من جيل لجيل هو في حد ذاته توثيق لمتغيرات ثقافية ومجتمعيه صعب توصيفها بقانون أو علم معرفي ثابت.

 طرق أهل الفيوم الحاليين في المحافظة علي بورتريهات الفيوم الأثرية.. تصوير: محمود حسن بتصرف
طرق أهل الفيوم الحاليين في المحافظة علي بورتريهات الفيوم الأثرية.. تصوير: محمود حسن بتصرف

بالتالي إحنا محتاجين القانون والدستور يضمن حق المجتمع علي تعدده واختلافه في المشاركة في تعريف الأثر وتحديد كيفية الحفاظ عليه وفقا لتجربته واحتياجاته لأن قصة زيد غير عبيد غير نطاط الحيط.

******************

هبة عبدالجواد- باحثة في معهد الآثار بكلية لندن.

استخدام اللهجة العامية في المقال للتأكيد على كونها أثرمصري لغوي بيحدد فصل الإنسان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى