أحاديث الجوى.. وصاحب الخريدة إذا حكى

هناك كتب تقرأ بعض صفحاتها ثم تترك مهمة استكمالها لوقت آخر. وكتب أخرى تلتهمها وتستغرقك حتى تنتهي منها في بضع ساعات أو أيام. لكن الكتاب الذي أمامنا غير ذلك وذاك، هو كتاب ما أن تمسك أولى صفحاته، حتى تضربك مفاجأة أن الساعات مرت وأنك في الصفحة الأخيرة، فتغلبك رغبة قراءة المزيد. هكذا هو كتاب (أحاديث الجوى في اقتفاء أثر القاهرة) للباحث الأنثروبولوجي والتاريخي المتفنن حامد محمد حامد. والصادر حديثا عن (الرواق للنشر والتوزيع)، والذي يجمع بمهارة بين التعمق في تاريخ القاهرة المنسي والأسلوب الأدبي رفيع المستوى.

الكتاب رحلة في دروب القاهرة العامرة، يصحبك فيها المؤلف عبر 26 واقعة تاريخية. يعيد فيها النبش في طبقات المدينة التاريخية بحثا عن قصصها المنسية. فهو لا يتوقف مع الآثار الباقية عن القرون الخالية، والتي تراها العين مبهورة في شوارع المعزية الآن، بل أنه يميط اللثام عن الآثار المندثرة التي لم تصل إلينا بسبب عوامل الزمن والبشر. إذ أن “الكتاب يتحدث عن طبقة من طبقات القاهرة لم يعد لها وجود فعلي اليوم. طبقة بادت كوردة جفت أوراقها وتساقطت، ولم يبق منها سوى بقية من عبقها القديم، مبثوثة في بطون الكتب، وعلى ألسنة الرواة هنا وهناك”. يقول حامد في مفتتح الكتاب.

***

لن أحرق على القارئ متعة اكتشاف الكنوز المخبوءة التي سيجمعها في رحلة قراءة الكتاب. وهذا أمر صعب فالكتاب مترابط الفصول، تكاد كل قصة تاريخية تسلمك إلى ما بعدها، بسلاسة يغبط عليها المؤلف الذي استطاع أن ينسج بأسلوب أدبي بنفس روائي قدير هذا الثوب الفاخر المرصع بروائع الأدب. دون أن يفقد الدقة التاريخية أو أن يحيد عن خط الباحث المتمكن الذي يحترم الوقائع التاريخية لكنه لا يتوقف عندها بالسرد. بل يشتبك معها محللا وهنا نلتقي بخط أدبي مضى فيه من قبل خيري شلبي. إلا أن حامد محمد يتميز بقدرته على الإمساك بيد حازمة بخيال الروائي. واليد الأخرى تمسك بقدرة الباحث المدقق الذي لا يحيد عن دقة الوقائع.

الأديب حاضر في كل صفحة من صفحات (أحاديث الجوى)، منذ المقدمة البديعة كتابة وفكرة، التي يمزج فيها المؤلف بين أم كلثوم صوت القاهرة الصادح، وهي تشدو بقصيدة الأطلال. وبين فكرة الكتاب الذي يسعى لاستعادة الصروح الهاوية في بئر النسيان، وصولا إلى فصول الكتاب أو نقول قصصه التاريخية. فهنا يستخرج حامد محمد كل الإمكانات الدرامية الهائلة في قصص العابرين في سماء المدينة، وهي قصص حافلة بتناقضات البشر وتلاعبات القدر. هنا حس الأديب يطغى في عملية السرد بشكل مدهش ويجبر القارئ على القراءة المتواصلة وصولا إلى خط النهاية. وستكون صدمة الكثير من القراء أن الكتاب انتهى. وسيطلبون المزيد من هذا العمل الجامع بين محاسن القص وتمكن البحث.

حامد محمد حامد
حامد محمد حامد

الباحث ذو النفس النقدي يطل علينا بوضوح بين ثنايا الكتاب. فالمؤلف لا يكتفي هنا بالانضباط في سرد الوقائع التاريخية. إذ يعتمد على استنطاق الدراما الداخلية للحدث التاريخي ذاته دون إضافة أي مكسبات درامية أو تخيلية. ويقدم لمحات شديدة الذكاء ومنثورة عبر صفحات الكتاب، يمكن جمعها واستخلاص منهجه التاريخي والكيفية النقدية التي ينظر بها إلى الأحداث والروايات التاريخية. وهي نظرة ذات بعد نقدي تميل إلى العلوم الاجتماعية، وهو أمر يكسب الوقائع التاريخية التي يرويها علينا حامد محمد حامد فرادة. فرغم أنها قديمة إلا أن تناوله لها واستنطاق كل ما تحمله من حمولات تاريخية ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية يجعلها تبدو للمتخصص وغير المتخصص جديدة دوما. ومن هنا سر الدهشة التي تصاحب قارئ الكتاب.

***

يتصدى حامد محمد لعملية صعبة لا تتوقف عند الطبقة السطحية من الرواية المتعلقة بأثر ما في شوارع القاهرة. بل يغزل بمهارة بين أخبار تاريخية من عصور متفرقة لكتابة بطاقة هوية للمكان عبر فترات من التحول التاريخي. منذ لحظة ميلاد الأثر ثم ازدهاره وصولا إلى لحظة اندثاره. فلا تنسى عزيزي القارئ أنك تقرأ عن الأطلال الداثرة التي غاب رسمها وأن حفظت لنا كتب التاريخ اسمها. ربما يعبر عن هذا المنهج الفصل المعنون بـ”كتيفات وفرصة تغيير العالم”. فالفصل يبدأ من أحد جوامع القاهرة الكبيرة من العصر المملوكي الذي لا علاقة مباشرة تجمعه بكتيفات رجل الدولة الفاطمي، لكن القصة تعيد ربط المتناثر عبر صفحات التاريخ ليعاد حكاية تاريخ القاهرة بشكل مركب.

روح الناقد التاريخي حاضرة بين صفحات الكتاب، فنرى حامد محمد حامد يلجأ إلى حيلة بث أفكاره التي لا يريد لها أن تصدم القارئ فيمررها بين سطور الحكايات. لكنه ينبه عن أخطاء في القراءة التاريخية تستحق التنبيه. فهو يحذر مثلا من “نسقط ما نراه حولنا اليوم على الماضي فنصل بدون وعي إلى قناعات مغلوطة عن التاريخ والأماكن”. فهنا يريد منا محمد حامد أن نقف أمام كل أثر في القاهرة العامرة ونبحر في التاريخ المركب الذي يختفي خلف الأحجار والنقوش. لنكون صورة أعمق وأشمل عن طبقات المدينة التاريخية التي بنيت فوق بعضها البعض بحسب تغير الدول والعصور وأحوال العباد.

يشكل الكتاب إجابة واقعية وشديدة النجاح والتميز والذكاء حول مستقبل الكتابة التاريخية الموجهة للقارئ المتخصص والعام. فهنا يقدم حامد محمد حامد(توليفة) لا تتنازل عن دقة المعلومات التاريخية التي يتذرع بها البعض من أجل تقديم كتابة أكاديمية جامدة. لكنه يزيد عليها بالنفس القصصي الذي يقدم هذا الكم من الأخبار والمعلومات التاريخية. بأسلوب شديد التشويق يشد القارئ ويجذبه بسلاسة لقراءة المكتوب بل وعدم التوقف عنده. إذ يتخذه مقدمة لمزيد من القراءة والإبحار في الكتب التاريخية. شريطة أن تكون مكتوبة بهذا الأسلوب الذي يكسر جمود السرد التقليدي القائم على جمع المادة التاريخية. ووضعها بجوار بعضها دون حبكة ولا تحليل ولا قدرة على التخييل. وهذه كلها مزالق عبرها صاحب (أحاديث الجوى) بمهارة.

***

الدكتور حامد محمد حامد هو صيدلي استجاب لنداهة القاهرة وتاريخها. فبدأ تاريخ الحفر في تاريخها عبر دراسة الأنثروبولوجيا في كلية الدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة. كما صدر له (حدوتة مصرية) 2007، و(خريدة القاهرة: من سيرة الأماكن والأشخاص) 2020. وشارك ببحث (قاهرة النصارى في عصر سلاطين المماليك) في كتاب (القاهرة مؤرخة) من تحرير الدكتور نزار الصياد 2024. ويعد كتابه الجديد أحدث حلقة في سلسلة قراءته المعمقة في تاريخ القاهرة ومصر في العصور الوسطى والحديثة.

اقرأ أيضا:

الرياض في زمن التحولات والتناقضات.. مشاهدات زائر مصري

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر